12/16/2017
20545
مدير مركز سكايز أيمن مهنا: «الإستنسابية مرفوضة والحريات تراجعت»

طغى مشهد «انتهاك القانون» (في غياب قانون ينظم الاعلام الإلكتروني نستند الى قانون المطبوعات) واستغلال للحرية الذي يقوم به عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي واعتماد نوع من الاستخدام غير المنضبط لوسائل الاعلام الالكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي في لبنان.

مشهد يتبعه مشهد من التوقيفات من قبل «مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية» او غيره من الأجهزة. تختلف وجهات النظر حول هذا النوع من التوقيفات فنرى من يعتبرها كم للأفواه وان «الستاتوس مش جريمة» وآخرون يعتبرون اسلوب بعض الموقوفين بشاعة واسفاف في استخدام العبارات النابية والاسلوب السفيه للتعبير عن الرأي فيجب ضبطه. وفعلا تختلف أحياناً وجهات النظر من موقوف الى آخر خصوصاً ان اللائحة طويلة من كريم حوا (2014)، باسل الأمين (2016)، حسن سعد والكسي ابراهيم (شباط 2017)، أحمد أمهز (آذار 2017)، هنادي جرجس (آب 2017) والأسير المحرر أحمد إسماعيل. ومدونة الموضة ريتا دحدح فواز أما الصحافيون فتوقيفهم محدود جداً ونذكر على سبيل المثال توقيف الصحافي فداء عيتاني في شهر تموز 2017.

وقفت «الشرق» على هذه الظاهرة محاولة استطلاع رأي مركز «الدفاع عن الحريات الاعلامية» (سكايز) وميكرو رصيف سريع في أحد شوارع العاصمة.

 

 

تحقيق ماجدة الحلاني

 

 

 

 

الصحافي لديه حصانة

لعل الموضوع ينقسم الى قسمين الاول متعلق بالصحافيين وآخر بالناشطين او مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. ويكشف مدير مركز «الدفاع عن الحريات الاعلامية» (سكايز) أيمن مهنا «بغض النظر عن عدم وجود قانون ينظم الاعلام الالكتروني، ان أحد أفضل الأشياء الموجودة في لبنان ان الصحافي لا يمكن ان يوقف احتياطيا ولا يوجد أحكام بالسجن الا في حالات نادرة بسبب ممارسته لمهنته وهذا ما يميز لبنان كدولة في المنطقة وضروري ان يستمر». ويتابع «ان محكمة المطبوعات هي الجهة المولجة النظر بالدعاوى الالكترونية المتعلقة بالصحافيين العاملين في المواقع الالكترونية ولعلها الجهة التي تقدم ضمانات أكثر من المحاكم الجزائية العادية. وتم استثناء مواقع التواصل الاجتماعي من اختصاص محكمة المطبوعات. أي ان الصحافي لديه ضمانة ان كتب في أي موقع الكتروني وليس لديه هذه الضمانة ان كتب في أي موقع تواصل اجتماعي. وعلى هذا الأساس تم استدعاء فداء عيتاني لأن ما كتبه كان على صفحته الخاصة على موقع فيسبوك ولم يكتبه على موقع الجريدة الالكتروني التي يكتب فيها». ويتابع «في قضية سابقة حصلت مع الصحافي مهند حج علي الذي كان يكتب في زحد المواقع الالكترونية فالصحافي لا يحقق معه من قبل قوى أمن انما من خلال النيابة العامة والأجهزة القضائية. لذلك كان لدينا شك وريبة في استدعاء الصحافي فداء عيتاني أمام مكتب «مكافحة مكتب جرائم المعلوماتية» لأنه بالنسبة الينا الصحافي وبغض النظر أين كتب لا يجوز ان يذهب بسبب كتاباته أمام جهة أمنية إنما أمام جهة قضائية. علما ان عيتاني تم توقيفه ليس على خلفية كتاباته إنما بسبب حكم صادر بغرامة مالية بدعوى سابقة للجريدة التي كان يكتب فيها لم يتم تسديدها ونحن نعتبر ان هذا نوع من الضغط النفسي».

بعد كلام مهنا نشعر ان الصحافي لديه نوع من الحماية النسبية في القانون اللبناني. ولكن هذا ليس ما يشعر به الصحافيون حيث يشعر عدد كبير منهم بنوع من الضغوط التي تمارس عليهم من داخل مؤسساتهم الاعلامية او من قبل بعض رجال السياسة او الاعمال ان تناولوا موضوعات تمس بهؤلاء. وخير مؤشر على ذلك ما يؤكده مهنا في هذا الاطار «الأمور تتجه الى نوع من الضغط على الصحافيين وضغط المخابرات أكثر والاتصالات والمشهد يشبه ما قبل 2005 حيث يتم دعوة بعض الصحافيين الى فناجين قهوة! ويتم الطلب من المراسلين الذين يدخلون مناطق معينة ابراز كل المواد الاعلامية التي صوروها او حصلوا عليها قبل الخروج من المنطقة وهذا جديد ومخالف للقوانين ويتم تبريره تحت شعار مكافحة الارهاب».

 

تقييد حرية التعبير

أما بالنسبة الى غير الصحافيين من الناشطين او غيرهم فنشهد حالة من «كم الأفواه» وتقييد حرية التعبير التي كفلها الدستور (حرية التعبير التي لا تخرج عن الآداب العامة وأدبيات التخاطب).

حالات كثيرة شهدناها في السنوات الأخيرة من توقيفات وتحقيق مع أشخاص على خلفية «بوستات» على مواقع التواصل الإجتاعي آخرها كان مع مدوّنة عبّرت عن رأيها بمثيلي الجنس فكان مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية بالمرصاد بحجة القدح والذم التي باتت حجة من لا حجة له.

ويرى مهنا في هذا الإطار أن «مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية هو الجهة المخولة بالتحقيق لأن هؤلاء الأشخاص ليسوا صحافيين وكل تهم القدح والذم والتشهير لاتزال من ضمن قانون العقوبات كجرائم الجنح او أي جريمة أخرى وعقوبتها جزائية توضع على سجل الشخص العدلي في حال تمت إدانته او الحكم على هذا الأساس. وبغض النظر، فهذه «الجرائم» الإلكترونية تحوّل تلقائياً من النيابة العامة الى مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية. ونحن نتمنى أن تكون جرائم القدح والذم قضايا مدنية وليست جزائية. الواقع الآخر المحزن، يومياً على السوشال ميديا هناك مئات الآلاف من الشتائم بينما في الأسبوع او الأسبوعين مرة يتم استدعاء شخص للتحقيق معه على خلفية شتيمة لأنها تكون طاولت قضية حساسة بالبلد او شخص من المسؤولين السياسيين بالبلد، الغريب بهذه القضية أن تطبيق القانون والإستنسابية في تطبيقه مشكلة حيث يتم تسييسه في كل مرة!».

ويتابع «وزير العدل سليم جريصاتي في 20 شباط 2017 أصدر كتاباً رقم 1029/م/2017 موجهاً الى النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود يطلب فيه عدم توقيف أي شص احتياطياً بسبب الرأي او الموقف الذي يبدى على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيق القوانين المرعية بالاحالة أمام قضاء التحقيق وقضاء الأساس المختص وتنتفي الإستنسابية والمراجعات في غير موقعها». (أنظر المستند).

ويضيف «ما أصدره وزير العدل ليس ملزماً إنما دوره توجيهي وهو رجل مخضرم في هذا المجال ويعطي توجيه منطقي جداً كونه مستحيل محاكمة جميع الناس فلا ضرورة الى إرهاق مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية بهذه القضايا بل إفساح المجال أمامه الى مكافحة جرائم إنتحال الصفحة، الجرائم المالية أوغلاين، الشبكات الإرهابية، جرائم الإتجار بالبشر الإلكترونية، جرائم الإخلال بالآداب تجاه الأطفال وهذه الجرائم الإلكترونية ويترك موضوع القدح والذم والتشهير لأنها كلها ناجحة عن «خناقات».

 

«بوستات» مسيئة

المؤكد أن هناك تجاوزات كثيرة لحرية التعبير في «بوستات» بعض الأشخاص. هذه الإساءة والبذاءة في التعبير لا بد من لجمها بالقانون. حرية التعبير لا تعني أبداً الإسفاف والبذاءة في التعبير. بعض الأشخاص الذين يعتمدون هذا الأسلوب في حياتهم لا يجوز أن يترك لهم المجال لممارسته الكترونياً عندما يتناولون أشخاصاً وقضايا عامة.

فخير مثال على ذلك ما كتبه جان عاصي من شتائم بحق رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان وباسل الأمين الذي آثر لغة الحذاء في بوسته. ويوضح مهنا في هذا الاطار «أكثر شخص دافع عنهم هو الوزير باسيل وكتب بوست مفاده أنه يمنع توقيف أي شخص والتحقيق معه مما يمس حرية الرأي والتعبير وهو أكثر شخص حاليا غيّر موقفه بهذا الخصوص ويتقدم بشكاوى».

ويتابع «وضع قضايا هؤلاء الأشخاص على موقع «سكايز» للإضاءة فقط أنه لمواكبة العصر والتداول الإعلامي والتغطية الإعلامية لا يمكن تفادي مواقع التواصل الاجتماعي وليس قضية معينة بالتحديد. يهمنا ماذا يعني التوقيف بالنسبة لحرية المواطن وحرية التعبير من الرأي وعن نفسه على مواقع التواصل الإجتماعي وما هو الخطر الذي سيواجهه في حال كتب أمرا معينا. الإستنسابية مرفوضة. وبغض النظر عن سفاهة ما كتبه هؤلاء تم توقيفهم».

ونحن كمركز «سكايز» نغطي هذا الموضوع رفضاً للحرية المجتزأة.

يضيف «بالنسبة لنا أي ممارسة عقابية تحد من الحريات ووفق المواثيق الدولية هناك معايير لإستخدامها. أولاً أن القانون يجب أن يلحظ بشكل واضح الجرم الذي يتم التوقيف على أساسه. ثانياً، أن يكون الإجراء ضروري ومتناسب مع الفعل لتفادي تفاقمه وزيادة خطره على المجتمع. والسؤال هناك ما هي الحاجة لحجز حرية الشخص والإستنسابية في التوقيفات؟!».

ويؤكد أن «على الرغم من بشاعة ما يكتب كبوستات حجز حرية شخص وعدم إعلام ذويه بمكان حجزه وهذا مخالف للشرائع الدولية ولا يتطابق مع معيار الضرورة والتناسب».

الواضح أن هدف «سكايز» هو عدالة العقاب وعدم الإستنسابية في الإجراءات المتخذة والتي تستخدم لأسباب سياسية وتبريرات أمنية.

 

الحريات

هل هناك تراجع ملحوظ للحريات في مجتمعنا تحت مبررات سياسية وأمنية؟

ويؤكد مهنا في هذا السياق «نحن نتجه الى نظام الحريات مصانة فيه بنسبة أقل والتبريرات المستخدمة مرتبطة بالواقع الزمني بشكل كبير، وسائل الإعلام عادت الى حالة من الرقابة الذاتية، وهناك حالة غير مباشرة بالنسبة الى الجمعيات التي تدافع عن حقوق الإنسان والتي تنتقد أحياناً اداء القوى الأمنية، فإذاً القوة الأمنية تقوم بواجبها بحماية البلد من الإرهاب إذاً، كأن تضع هذه الجمعيات موضع الدفاع عن الإرهابيين، وهذه المعادلة مرفوضة قطعاً.

إستغلال الحرية بشكل إستفزازي وبشع على مواقع التواصل الإجتماعي أمر مرفوض ويجب ضبطه. يمكن التعبير عن الرأي بطريقة حضارية وإستخدام تعابير تخدم الفكرة وعدم إستعمال الأسلوب «السوقي» الذي غالباً ما يعكس أسلوب صاحبه.

ومن جهة أخرى، لعل هذه «البوستات» ولغتها الرخيصة وإسفاف تعابيرها تستحق العقاب ولكن هذا العقاب او الردع لا يستدعي التوقيفات وإحتجاز الحرية إنما يمكن ببساطة إحالة صاحبها على المحاكم المدنية ويمكن الإكتفاء بتعويض مادي! إضافة الى رفض الإستنسابية في التوقيفات وإنتفاء معيار الضرورة.

حقوق لنشر والطبع 2017© جريدة الشرق. جميع الحقوق محفوظة