8/18/2018
20738
حديث رمضان - حبات نور عابرة للدهور (الحبة الثالثة والعشرون)

الإمام الشافعي..لَبِنَةٌ من ذَهَب في صَرْح العلم


 

 

بقلم الدكتورة سعاد الحكيم

 

 

 

 

الإمام أبو عبد الله محمد بن ادريس الشافعي القرشي، معتدل القامة نحيفاً، واضح الجبهة، رقيق البشرة، يميل لونه إلى السُمْرة، خفيف العارضين (أي قليل شعر الوجه)، حسن السمت، مقتصداً في ثيابه يلبس الكتان والقطن البغدادي والعمامة والخُفّ، نابغة منذ طفولته، قوي الحافظة، حاضر الحجة، سيّال الذهن، جامعاً للعلوم، عزيز النفس، مترفّعاً عن الخصومات وسفاسف الأمور، متسامحاً لا يتعصّب لرأيه، عابداً زاهداً، مهيباً عظيماً، كتب اسمه في ديوان الخالدين في التاريخ بإضافاته العلمية التأسيسية.. رضي الله عنه وأرضاه.

******

ولد هذا العالم الجليل في مدينة غزّة في فلسطين عام 150 هجري، وهو العام نفسه الّذي توفّي فيه الإمام أبو حنيفة النّعمان. والمتّفق عليه أنّ أباه قرشيّ ينتهي إلى بني المطّلب أخي هاشم جدّ النبيّ عليه صلوات الله. مات والده وهو طفل في المهد (على أرجح الأقوال)، فنشأ فقيراً في حضن أمه، حملته أمّه - وهو ابن عشر سنين - إلى مكّة المكرّمة مخافة أن يضيع نَسَبه إن عاش بعيداً عن مقام القرشيّين.

حفظ القرآن الكريم في غزّة وهو ابن سبع سنين، ولمّا ذهب إلى مكّة المكرّمة تلقّى الحديث النبوي من شيوخ الحديث فيها. ثم رغب في التفصّح في العربيّة فخرج إلى البادية، ولزم قبيلة هُذَيْل. وتعلّم شعرهم وبرع في الرّماية.

وعندما بلغ العشرين، أراد أن يأخذ عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فاستعار كتابه «الموطّأ» وحفظه قبل أن يلقاه. وظلّ في صحبة الإمام مالك تسع سنين. وبعد وفاة مالك قَبِلَ الشّافعيّ الذّهاب مع والي اليمن ليأخذ ولاية بنجران. نشر العدل وسدّ باب المصانعة ممّا أنزل به محنة شديدة من المتضرّرين من صلاحه وصلابته في ولايته، وكان أن كاد له والي نجران واتّهمه لدى العبّاسيّين بأنّه مع العلويّين. سيق الإمام الشّافعيّ مكبّلاً بالحديد إلى بغداد عام 184 هـ وله من العمر أربع وثلاثين سنة؛ إلاّ أنّه استطاع أن ينجو بين يديْ الخليفة الرّشيد بفصاحته وبتدخّلٍ من محمّد بن الحسن الشيباني لصالحه.

ترك الإمام الشّافعيّ - بعد هذه المحنة - المشاركة في أعمال الدّولة السياسية وانصرف كليّة إلى العلم والمعرفة، ونزل عند محمّد بن الحسن في بيته ببغداد، وقرأ عليه كتبه التي ألّفها في فقه العراقيّين، فجمع بين فقه العراق وفقه الحجاز الّذي سبق وأخذه من صحبته للإمام مالك.

  وجد الإمام الشّافعيّ أنّه أمام مناهج مختلفة في الاجتهاد، فأراد أن يوازن بينها لينتهي إلى مقاييس ضابطة، فترك بغداد وذهب إلى البيت الحرام، فأقام بمكة المكرمة وكانت هذه الإقامة من أخصب مراحل حياته العلمية، إذ اتخذ له حلقة في المسجد الحرام، واتجه تفكيره إلى البحث في الكليات، ودارس تلاميذه طرائق الاستنباط، ووازن بين المصادر الفقهية.. ثمّ خرج إلى النّاس بمذهب جديد مستقلّ يخصّه، إذ وضع قواعد للاستنباط وهي ما يُسمّى بـ: «أصول الفقه» في كتابه «الرسالة». لقد كان الأصوليّون وأصحاب المذاهب قبل الشّافعيّ يلتزمون بمناهج في اجتهاداتهم، يشيرون إليها بعبارات مجملة غير مفصّلة، ولكنّ الشّافعيّ فصّل القوانين التي يجب أن يلتزمها المجتهد في اجتهاده كيلا يخطىء في استنباطه. يقول فخر الدين الرازي: «إعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض». ويقول الإمام أحمد بن حنبل: «كان الفقه قفلاً على أهله، حتى فتحه الله بالشافعي».

  وبعدما أقام تسع سنين في مكّة المكرّمة، عاد إلى بغداد - وهو في حوالي الخامسة والأربعين من عمره – ليبين قواعد علم جديد للناس، هو علم أصول الفقه. وفي بغداد تتلمذ له أحمد بن حنبل وأخذ عنه إسحاق بن راهوية. كما أملى فيها الكتب البغداديّة، ومنها كتاب «الأمّ» الذي يقع في سبعة أجزاء.

  لم تطـل إقامة الشّافعيّ في بغداد خصوصا بعدما تولّى المأمون الخلافة، فتطلّع للسّفر إلى مصر ووصل إليها عام 199 هـ. فرض الوالي العربي في مصر للشّافعيّ عطاءً من سهم ذوي القربى من رسول الله عليه صلوات الله. مّا مكّنه من الانصراف للعلم باكتفاء ماديّ، فأخذ ينقّح ما كتبه في العراق، حتى اشتهر أنّ للشّافعيّ دوريْن في الاجتهاد، أو آراء قديمة منسوخة بآراء جديدة.

والواقع أنّ مذهبه الجديد - إن صحّت هذه التّسمية - هو تنقيح لمذهبه الّذي دوّنه في بغداد، كأن يرجّح قولاً من قوليْن وَرَدَا كوجهَيْن في مسألةٍ واحدةٍ، أو يعرض له وجهٌ ثالثٌ، أو يعدل عن الوجهيْن لحديثٍ رآه لم يكن على علمٍ به، أو خطر له قياسٌ جديدٌ هو أرجح من الأوّل وهكذا..

وفي مصر توفي الإمام الشّافعيّ عام 204 هـ، وهو في الرّابعة والخمسين من عمره، فلم يُعمّر كأبي حنيفة النعمان الّذي عاش نحو سبعين سنة، أو كشيخه الإمام مالك الّذي عاش نحو ستّ وثمانين سنة.

******

1 – كتاب الله وسنة رسول الله درجة واحدة في الاستدلال الفقهي: يعتبر الإمام الشّافعي أنّ الكتاب والسُنّة هما المصدر الوحيد للفقه الإسلامي [= المصدر المعصوم]، وغيرهما من المصادر محمول عليهما [مصادر غير معصومة = الإجماع – رأي الصحابي – القياس]. فالعلم يؤخذ دائماً من أعلى، وهما الأعليان.

جعل الإمام الشّافعي القرآن الكريم والسُنّة النبويّة الثابتة كلاً واحداً لا ينفصم في عملية استنباط الأحكام الشرعية، في الوقت الّذي قرّر فيه الفقهاء - قبله وبعده - إنّ القرآن الكريم هو المرجع الأوّل وتليه السُنّة النبوية كمرجع ثانٍ يُنظر فيه في حال غياب الحُكْم القرآنيّ. والسّبب الّذي دفع الشافعي إلى جَعْل القرآن والسنة درجة واحدة في الاستدلال، أنّ السُنّة النبوية هي المبينة للقرآن الكريم، والمفصّلة لما أجمل، والموضحة لكثير ممّا يدقّ إدراكه على بعض العقول. لذلك القرآن والسُنّة - إذا ثبتت - هما في مرتبة واحدة عند استخراج أحكام الفروع.

لقد دافع الإمام الشّافعيّ عن السُنّة النبوية في مواجهة طوائف ظهرت في عصره تنكر السُنّة جملة، أو لا تقبل منها إلاّ إذا كان في معناها قرآن، أو لا تقبل إلاّ ما كان متواتراً منها. فرأى أنّ الفريقيْن الأوّليْن يهدمان السُنّة، إمّا بعدم اعتبارها جملة، أو بعدم اعتبارها أصلاً قائماً بذاته. أمّا الفريق الثّالث الّذي يرفض الاستـدلال بحديث الآحاد ولا يقبل إلاّ المتواتر فقد ردّ عليه الشّافعيّ بجملة حجج شرعيّة أهمّها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الإسلام كان يرسل رُسلاً لا يبلغون حدّ التّواتر. وأنّ القضاء في الأموال والدّماء والأنفس بشهادة رجليْن، وهذا خبر لا يبلغ حدّ التّواتر. وأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أجاز لمن سمع عنه أن ينقل ما سمع ولو كان واحداً. ورابعها أنّ الصّحابة كانوا يتناقلون أخبار رسول الله عليه صلوات الله بآحادهم، ولا يشترطون جمعاً كثيراً.

******

2 – استقامته وعباداته: دخل الإمام الشافعي (وهو فتى في العشرين) على الإمام مالك في المدينة المنورة ليأخذ منه، وكان قد حفظ كتاب «الموطأ»، فقرأه عليه، فأعجب به الإمام مالك إعجاباً شديداً وقال له: «يا محمد، سيكون لك شأن وأي شأن، إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية».. ونقول، ربما لم يكن الشافعي الفتى طالب العلم بحاجة لهذه النصيحة البنيوية، لأنه كان مستقيماً، إلا أن هذا الربط بين العلم والعبادة والطاعة هو ما كان يحرص الأئمة على تعليمه لتلامذتهم.

كان الشافعي طوال حياته – بحسب الروايات – مداوماً على سُنّة قيام الليل، وقد قسم الليل ثلاثة أثلاث: الثلث الأول للكتابة، والثلث الثاني للصلاة، والثلث الثالث للنوم.. وكان يختم القرآن الكريم ثلاثين ختمة في الشهر.. وكان كثير الدعاء، ويطلب من المعروفين بالصلاح الدعاء له، ويحض على كثرة الصلاة على رسول الله عليه صلوات الله، ويقول: إن الدعاء يتم بالصلاة على رسول الله عليه صلوات الله، وتتمته بها. وكان يحرص على رضى رسول الله عليه صلوات الله في أمره كله، فنراه يحذّر تلميذه من الخوض في الصحابة، يقول له: يا ربيع (= الربيع بن سليمان)، لا تخوضَنَّ في أصحاب رسول الله عليه صلوات الله، فإن خصمك النبي صلى الله عليه وسلم.

******

3 – لسان ناطق بالحكمة: ظل الإمام الشافعي متعدد العطاءات العلمية والحياتية طوال حياته. تراه مرة طبيباً ومرة صاحب فراسة ومرة عالماً بأيام العرب وتارة معلّماً ومربّياً وشاعراً وحكيماً.. ومن أقواله الحكيمة التي تستحق أن تُجمع وتُدرس لذاتها، نقتطف:

- «علامة الصديق في أخوة أخيه أن يقبل عِلَلَه، ويسدّ خَلَله، ويغفر زلَلَه».

-«ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته».

-«من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً».

-«من بَرّك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك».

-«الانبساط للناس مجلبةٌ لقرناء السوء، والانقباض عنهم مكسبةٌ للعداوة، فكن بين المنقبض والمنبسط».

-«ما رفعتُ أحداً فوق منزلته إلا حطَّ مني بقدر ما رفعتُ منه».

******

4 – احترام الذات: إن الإمام الشافعي هو مدرسة في احترام الذات بتوازن إنساني عجيب.. وتظهر هذه الفضيلة في مواقفه وفي أشعاره. وحيث إنه لا يمكن مفارقة هذا العالم الجليل دون أن نتغنّى ببعضٍ من أشعاره، ننتخب منها:

عندما سيق الإمام الشافعي إلى بغداد بتهمة الدعوة للعلويين والخروج على العباسيين.. لم يتنصل ولم يسكت ودافع عن حب آل بيت النبي عليه صلوات الله، وأنه جزء من الدين، وأنه مؤديه على كل حال.. يقول:

إِنْ كان رَفْضاً حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ

فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أَنِّي رَافِضِي

يبدو أن المعلّم في القرون الأولى للهجرة كان – أحياناً – صعب المراس، عزيز الرضى، ربما لتنقية صفوف المتعلمين من الدخلاء غير المؤهلين لحمل العلم.. ومن هنا، نجد الشافعي ينصح طالب العلم بالصبر على جفا المعلم، يقول:

اصبر على مرِّ الجفا من معلمٍ 

فإنَّ رسوبَ العلمِ في نفراتهِ

ومنْ لم يذق مرَّ التعلمِ ساعة ًتجرَّعَ ذلَّ الجهل طولَ حياته

ومَنْ فاتَهُ التعليم وقت شبابه فكبِّر عليه أبعاً لوفاته

ومن بديع شعره في صيانة ذاته عن ألسنة الحمقى والجهلة، يقول:

قالوا: سكتّ وقد خُوصمْت. قلتُ لهُم:  

 إنَّ الجوابَ لِبَابِ الشَّرِّ مِفْتاحُ

والصَّمْتُ عن جاهلٍ أو أحْمقٍ شرفٌ

 وفيه أيضاً لِصَوْنِ العرضِ إصلاحُ

وفي المعنى نفسه يقول:

إذَا سَبَّنِي نَذْلٌ تَزَايَدْتُ رِفْعةً     وما العيبُ إلا أن أكونَ مساببهْ

وَلَوْ لَمْ تَكنْ نَفْسِي عَلَيَّ عَزِيزَة       لمكَّنتها من كلِّ نذلٍ تحاربه

ويقول أيضاً :

يُخَاطِبني السَّفيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ       فأكرهُ أن أكونَ له مجيبا

يزيدُ سفاهة ً فأزيدُ حلماً         كعودٍ زادهُ الإحراقُ طيبا

وكان الإمام الشافعي جواداً كريماً، ولكنه أحياناً لا يجد عنده ما يلبي به طلب عزيز نفسٍ من المحتاجين، فيشعر بغصة المصيبة، يقول:

يا لهْفَ نفسي على مالٍ أُفَرِّقُهُ              عَلَى المُقِلِّين مِن أهلِ المروءَاتِ

إنَّ اعتذاري إلى من جاء يسألني

ما ليسَ عِندِي لَمِنْ إحْدى المصيباتِ

وينصح سامعه بأن يقبل الأعذار من الغير وإن كانت كاذبة ومرائية ومنافقة، لأنها شاهدة على الإجلال لذات المعتذَر له؛ يقول:

اقبل مَعاذيرَ منْ يأتيكَ مُعْتذراً

إنْ بَرَّ عِنْدكَ فيما قالَ أوْ فَجَرا

لقدْ أطاعَكَ منْ يُرضيكَ ظاهِرُهُ

وقدْ أجَلَّكَ منْ يَعْصِيكَ مُسْتَتِرا

 رضي الله عن الإمام الشافعي وأرضاه
حقوق لنشر والطبع 2018© جريدة الشرق. جميع الحقوق محفوظة