9/22/2018
20763
قراءة - بقلم يحي احمد الكعكي - «الهجرة» و«علم السياسة المعاصر»

تعد هجرة الرسول من مكة الى «يثرب» (التي اصبح اسمها بعد الهجرة «المدينة المنورة» الاساس والركيزة التي استند اليها دور الانطلاق، فهي كانت نقلة سياسية هامة، ساعدت على بناء «دولة المدينة»، ومن ثم «الدولة العربية التاريخية» في عهد «محمد صلى الله عليه وسلم حيث استطاع محمد (ص)، بعد ان امّن قوة دولة المدينة في المجال الطبيعي ١- ان صح القياس - ان ينطلق بالجهاد ٢- الى استرداد مكة وتأسيس الدولة العربية التاريخية في اولى خطواتها.


وعليه، وبالاستناد الى قواعد «علم السياسة المعاصر»، يمكن التأكيد على ان الرسول (ص)، استطاع ان ينقل الجماعة «الاسلامية العربية» - التي ارتبطت بمجال جغرافي معين للمدينة المنورة - من صورة الحياة القبلية الى صورة المجتمع السياسي، او صورة الدولة، كما جعل من موقع دولته، موقعاً مميزاً لا موقع عبء على المسلمين العرب بعد ان امّن القوة لهذا الموقع، وهذا ما يدل على قوة الحس السياسي عند الرسول (ص)، حيث وجّه هذه القوة في المجال الخارجي لخدمة اهداف الدولة العصرية الجديدة.

ولذلك، نؤكد على ان القيادة العليا التي تمثلت بالنبي (ص)، استطاعت ان تتحرّك من الحتمية الاقليمية للدولة الجديدة العصرية الجديدة، الى جوارها الاقليمي، ثم العالمي، في تبليغ الرسالة الحضارية التي اسّست عليها.

لذلك نؤكد على ان الهجرة، هي:

اولاً: وحياً من الله تعالى: «قالوا: كنا مستضعفين في الارض قالوا: الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها» -النساء ٩٧- الى الرسول (ص)، بهدف الحفاظ على العقيدة الاسلامية والحرية، وهو اصل، قرره القرآن الكريم في صحة الايمان والاعتداد به. وعلى ذلك تكون الهجرة تدبيراً سياسياً وادارياً نص عليه القرآن الكريم.

ثانياً: ان الهجرة، كانت نقلة تاريخية سياسية نقلت العرب المسلمين، من حالة سياسية «مجتمع القبيلة او سلطة القبيلة» الى حالة سياسية جديدة وهو «المجتمع السياسي المنظم بعوامله الطبيعية والاجتماعية».

ثالثاً: ان الرسول (ص)، وبعد الامر الرباني، وتأمين عوامل القوة للنقلة التاريخية، عزم على الامر واسس للعرب في يثرب، دولتهم الجديدة او مجتمعهم السياسي الجديد.

رابعاً: بعد الهجرة اكتسبت دولة المدينة الصفة السياسية في محيطها، انطلقت برسالتها الحضارية الانسانية الى خارج «دولة المدينة» الى جوارها الاقليمي، ثم الى الرحاب الاوسع.

خامساً: لقد استطاع الرسول (ص)، بهذه النقلة التاريخية، ان يتخلص من سجن خصوصية قريش، ويستوعب تماماً ابعاد اللعبة السياسية في ما حوله، ومن ثم يُخرج المسلمين العرب من سجنهم الكبير اي من سجن خصوصية قريش، وينطلق بهم الى الرحاب الكبير ونعني بها إنسانية الاسلام.

وهي تقدير «الاسلام الحضاري» للانسان. وهو مفهوم اطلقته منذ ١٩٩٢ في كتابي «معالم النظام الاجتماعي في الاسلام الذي هو غاية الحياة ومنطلقها، والذي يقدّر قيمة الحياة التي يعيش في رحابها، وهو خليفة الله على الارض، ليقيم دعوة الحق والعدل، ويتعاون الآخرين في اطار الإخاء والمساواة في الحقوق والواجبات.

فالكل في حق الحياة الذي كفله الايمان الاسلامي سواء في «التأصيل الديموقراطي»، وفي جميع مناشط الحياة، والتمتع بـ»حقوق الانسان» حيث لهذه الحقوق في الشريعة الاسلامية، طابع الضرورة والمؤسس على العقيدة، اي طابع الالتزام الناشئ بمحض الايمان.

وهو طابع يتركز على ضمان معنى الانسانية للإنسان، الذي سيبقى قادراً على التأثير في تطوير المبادئ القانونية التي تحكم «حقوق الانسان» في المجتمع الانساني ومنها: «حق الحياة، حق الارادة للإنسان، حق حرية الاعتقاد، حق المساواة في الانسانية، حق العدل، حق حماية الاسرة»..

هذه هي «الهجرة النبوية» (التي يهلّ علينا اليوم ذكراها ١٤٤٠) في منظور «علم السياسة المعاصر»...

يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com
حقوق لنشر والطبع 2018© جريدة الشرق. جميع الحقوق محفوظة