آخر أمتار الترسيم: انتصار ملتبس في لبنان ونتنياهو يرفض الإتفاق

39

بقلم ملاك عقيل

«أساس ميديا»

يبدو شهر تشرين الأول الجاري الحدّ الفاصل عن احتمال حصول أكبر تحوّل سياسي اقتصادي أمنيّ استراتيجي في المنطقة مع قرب توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

سيسبق هذا التاريخ إعلان الموقف الرسمي اللبناني الموحّد من الاقتراح الأميركي واجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي الأمنيّ المصغّر في ضوء ما قيل إنّه «تعديلات غير جوهرية على الاقتراح من الجانب اللبناني»، فيما بدأت شركة «إنرجين» ضخّ الغاز بشكل عكسي من الشاطئ نحو المنصّة وهي تستعدّ للمباشرة بالضخّ الطبيعي إلى الداخل الإسرائيلي.

منصّتان… وردع

يمكن منذ الآن توقّع مشهد يضمّ منصّتين للتنقيب عن الغاز والنفط، واحدة قبالة الشواطئ الإسرائيلية «مستنفرة» وجاهزة أصلاً، وأخرى قبالة الشاطئ اللبناني يلزمها أشهر عديدة ربّما لتستأنف التنقيب، ثمّ عدّة سنوات لتطوير حقل قانا وبدء الاستخراج إذا سمحت لها إسرائيل بذلك استناداً إلى شراكتها السيادية على الجزء الجنوبي من حقل قانا وفقاً لنصّ الاتفاق.

منصّتان إحداهما قبالة الأخرى تؤسّسان لمرحلة غير مألوفة من الردع المتبادل و»توازن الرعب» النفطي مؤذنةً بمسار لا سابق له من الاستقرار المستدام في إحدى أكثر النقاط الساخنة في المنطقة. لكن بالتأكيد الواقع ليس ورديّاً إلى هذه الدرجة.

احتفال مسبق بالانتصار

قبل أن تجتمع اللجنة التقنية اللبنانية المكلّفة دراسة الاقتراح الأميركي شبه النهائي المتّصل بترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، عمّت الاحتفالات بـ»الانتصار» في المقرّات الرسمية والحزبية: في القصر الجمهوري تجيير حصري لـ»الإنجاز» للرئيس ميشال عون، فيما السياسيون المعطِّلون والمعرقِلون سيبدأون سباقَ التبنّي المعتاد لإنجاز الغير، وفي عين التينة تعميم لأجواء إيجابية فيما لم يكن موكب السفيرة الأميركية دوروثي شيا قد تجاوز بعد محيط مقرّ الرئاسة الثانية. أمّا قناة المنار فتحدّثت عن «آمالٍ تلامس حدَّ تحقيقِ إنجازٍ تاريخي، وآفاقٍ مفتوحة وواعدة للبنان، وعن السيّد حسن نصرالله الذي تحدّث عن أيّامٍ حاسمةٍ بعدَ الردّ المكتوبِ الذي حمله الأميركيون»، واضعاً القرار النهائي بيد الدولة اللبنانية. وصل الأمر بالسيد نصرالله أن «انتقد من لا يريدون أن يُنجَز هذا الموضوع لأنّهم لا يرون فيه إلا الموضوع الحزبي، لكن عندما نكون سوياً موحّدين نستطيع أن نصل إلى نتائج طيّبة».

اجتماع تقنيّ ثمّ ثلاثيّ

وفق المعلومات، فور تسليم السفيرة الأميركية الاقتراح المكتوب للرؤساء الثلاثة وُزّع نصّه ليل السبت على أعضاء اللجنة التقنيّة كلّاً على حدة، وقد انكبّوا طوال يوم أمس على قراءة المقترح وإبداء الملاحظات، والأعضاء هم: المدير العامّ للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، رئيس مصلحة الهيدروغرافيا في الجيش المقدّم عفيف غيث، مستشار الرئيس نبيه برّي علي حمدان، نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، المدير العامّ لرئاسة الجمهورية أنطوان شقير، رئيس هيئة إدارة قطاع البترول وسام شباط، مستشار رئيس الجمهورية القانوني الوزير السابق سليم جريصاتي (الشقّ القانوني في الاتفاق)، والسفير بطرس عساكر. وأُنجِزت أمس الترجمة من الإنكليزية إلى العربية، وفي تل أبيب تُرجم النصّ إلى العبرية.

يُعقد اليوم للمرّة الأولى، وفق المعلومات، اجتماع مشترك بين كلّ الأعضاء عند الـ12 ظهراً في بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية، وهو ما سيمهّد للقاء ثلاثي رئاسي في القصر الجمهوري يضمّ برّي وميقاتي بعد الظهر للتداول بالصيغة المشتركة المعدّة من قبل اللجنة التقنيّة.

وكانت نسخة من الاقتراح وصلت إلى قيادة حزب الله والفريق التقنيّ الذي أعلن السيد نصرالله تشكيله لإدارة ملفّ الحدود والطاقة برئاسة النائب السابق نواف الموسوي.

لا عودة إلى الناقورة إلّا…

يقول مصدر رسمي لـ»أساس» إنّه «لا عودة إلى طاولة الناقورة قبل إتمام عمل اللجنة والتداول بالملاحظات اللبنانية خلال اجتماع الرؤساء الثلاثة ونقلها إلى الجانب الأميركي ثمّ الإسرائيلي لإبداء الرأي أيضأً»، لافتاً إلى أنّ «ثمّة نقاطاً أساسيّة واضحة في الاتفاق ومتّفقاً عليها كالخط 23 من دون تعرّج وحقل قانا كاملاً للبنان وعدم المسّ بأيّ من البلوكات وعدم ربط خطّ الترسيم البحري بالبرّي، لكنّ الأمر لا يزال ينتظر الملاحظات التقنية للجيش واللجنة، والاقتراح بمجمله لا يزال قيد الدرس»، رافضاً الحديث عن وجود ألغام فيه.

وحيال الاحتفاء اللبناني المبكر باتفاق لم يخضع بعد للدرس النهائي يقول المصدر: «ولماذا السلبية في حين كنّا سابقاً لا نزال نتفاوض حول خطّ هوف وملكية حقل قانا في ظلّ طروحات كانت تهدّد الترسيم البرّي ربطاً بالترسيم البحري».

نتنياهو: لست ملتزماً بالإتفاق

في الواقع لا تزال الإيجابيات المُفرطة تُقابَل بتشكيك مستمرّ لدى أكثر من جهة في ما يمكن أن يكون لبنان قد تنازل عنه في سياق مفاوضات صعبة وشاقّة استمرّت لسنوات وتعثّرت أكثر من مرّة إلى حدّ الجمود الكامل ثمّ انتعشت مجدّداً مع قرب طيّ صفحة ستّ سنوات من عهد ميشال عون وفي ضوء انتخابات الكنيست المرتقبة وغضب بنيامين نتانياهو الذي اتّهم رئيس الوزراء يائير لابيد بأنّه «خضع بشكل مخجل لتهديدات (السيد حسن) نصرالله مسلّماً لبنان مساحة سيادية إسرائيلية»، مهدّداً بأنّ «أيّ اتفاق مرتقب لن يكون ملزماً له في حال وصل إلى السلطة».

أمّا لابيد فقد أقرّ قبيل اجتماع الحكومة الإسرئيلية أمس بـ»أنّ اتفاق الترسيم مع لبنان يحفظ أمن وسلامة إسرائيل»، مؤكّداً أنّ «البحث لا يزال قائماً حول بعض التفاصيل الأخيرة».

إحدى أكبر إشكاليّات الاقتراح الذي أفرج عنه الوسيط الأميركي آموس هوكستين هي فصل الترسيم البحري عن النقاط البريّة التي لا تزال موضع نزاع بين الجانبين والتي أصرّ لبنان على أن لا تكون ضمن الاقتراح المكتوب، وتحديداً نقطة الـ B1 ورأس الناقورة، إضافة إلى الالتباس حول مسألة تعويض شركة توتال لإسرائيل عن خسارتها حقل قانا.

نقاط الالتباس

يرى مصدر مطّلع أنّ «هناك نقطة التباس أساسية في الاقتراح مرتبطة ببند تعويض «توتال» لإسرائيل عن خسارتها حصتها في حقل قانا، في وقت يكشف الخط النهائي للترسيم عدم وجود سيادة للبنان على الجزء الجنوبي من حقل قانا. ليس الموضوع في قيمة التعويض بل أين وكيف، وما هي الاتفاقية التي ستعقد بين توتال وإسرائيل لتحديد تفاصيل التعويض وعمل توتال في الجزء الجنوبي من حقل قانا الذي هو تحت السيادة الإسرائيلية باعتراف لبنان. وهي نقطة تشكّل تهديداً للاتفاق إذ أعطينا إسرائيل الحق بأن تناقش توتال وتوقّع اتفاقية تعويض قد تستغرق أشهراً وسنوات وتدخلنا في متاهات العرقلة الإسرائيلية».

فخّ التعويض

يضيف المصدر: «هذه نقطة أساسية يُفترض بالاقتراح الأميركي أن يعالجها. فحين نضع جزءاً من حقل قانا تحت السيادة الإسرائيلية، ويكون هناك بند التعويض على إسرائيل، نكون قد أشركنا العدوّ الإسرائيلي في حقل قانا والاستفادة من مخزونه. بالحدّ الأدنى لا بدّ من ضمان الحفر والإنتاج من حقل قانا كاملاً من دون أيّ عرقلة إسرائيلية، وقد بدأت بشائر هذه العرقلة مع نتانياهو الذي قد يضع شرطاً تعجيزياً على شركة توتال قي حال فوزه بالانتخابات فتُضطرّ إلى الانسحاب من البلوك 9 كما فعلت في البلوك 4، حينها مَن يضمن ذلك؟ البعض يقول المقاومة، لكن أليس أسهل على المقاومة أن تضمن شمول الاتفاق سيادة لبنان الكاملة والخطية على حقل قانا في ظلّ حاجة إسرائيل إلى بدء الإنتاج من حقل كاريش بعد أيام قليلة، وعدم ترك هذا الأمر ليكون حجّة تعرقِل أعمال توتال مستقبلاً».

يعلّق المصدر قائلاً: «البعض يحتفل بالانتصار فيما ينتظرنا اتفاق تعويض قد يأتي على حسابنا ويرهن إنتاجنا للغاز والنفط بالرضا الإسرائيلي».

مستحقّات ماليّة من حصّة لبنان!!

كان لافتاً في هذا السياق تأكيد رئيس الحكومة الإسرائيلي أمس أن «لا مانع لدى إسرائيل من تطوير حقل غاز لبناني آخر، خصوصاً إذا حصلت تل أبيب منه على مستحقّات ماليّة».

لكنّ المعلومات تفيد بأنّ نصّ الاقتراح الأميركي يشير إلى أنّ إسرائيل تحصل على نسبة من أرباح شركة توتال وليس من أرباح لبنان تعويضاً عن خسارتها قانا.

الفصل بين البرّ والبحر

أمّا لناحية الفصل القائم بين الحدود البحرية والبرّية والذي وُصف بأنّه إنجاز لبناني فهو يتعارض مع واقعين، وفق المصدر نفسه:

– اتّفاق الإطار الذي قيل إنّه أُنجز بعد التوصّل بوضوح إلى معادلة التلازم بين الترسيم البحري والبرّي.

– اعتراف لبناني غير مباشر بوجود إشكاليّة في البرّ، مع العلم أنّ نقطة الـ B1 لها إحداثيّاتها المحدّدة منذ عام 1949 ونقطة رأس الناقورة واضحة في اتفاقية بوليه نيوكومب عام 1923، وبالتالي نفق الناقورة يعود بالكامل للبنان.

تضارب التوجيهات الرئاسيّة

كان سبق لرئيس الجمهورية أن أعطى توجيهاته للوفد التقني (السابق) الذي كان مكلّفاً التفاوض بأن تبدأ المفاوضات على أساس الخطّ الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة برّاً التي نصّت عليها اتّفاقية بوليه نيوكومب عام 1923، والممتدّ بحراً استناداً إلى تقنية خطّ الوسط من دون احتساب أيّ تأثير للجزر الساحلية التابعة لفلسطين المحتلّة، وِفْقاً لدراسة أعدّتها قيادة الجيش اللبناني على أساس القانون الدولي، والمعروفة بالخط 29.

إلى ذلك توجد رسالة في الأمم المتحدة أُرسلت بناء على توجيهات رئيس الجمهورية بتاريخ 28/1/2021 تقول إنّ لبنان يفاوض انطلاقاً من الخط الذي طُرح في اجتماعات الناقورة (الخط 29)، وذلك قبل حوالي أسبوعين من تراجع رئيس الجمهورية عن الخط 29 لصالح الخط 23 من دون أيّ مقابل في أثناء مقابلته الشهيرة مع جريدة الأخبار بتاريخ 12/2/2021.

في السياق نفسه ثمّة سؤال جدّي يطرح نفسه: ألم يكن من الأجدى أن يُعرَض هذا الاتفاق، الذي سيُلزم الدولة على مدى أجيال ويتحكّم بمصير ملايين اللبنانيين، على نواب الأمّة وممثّلي الشعب الذين لم يطّلعوا على أيّ من تفاصيل المفاوضات لأنّها سريّة، لكنّ الاتفاق المقبل سيُعلَن وسيلزم الأجيال المقبلة؟».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.