أبعد من سباق للسيارات في أبو ظبي…

24

بقلم خيرالله خيرالله

ليس سباق الجائزة الكبرى الخاص بأبو ظبي، وهو سباق يندرج في سياق بطولة العالم لسائقي السيارات، مجرّد سباق بمقدار ما أنّه تذكير سنوي بتميّز دولة الإمارات العربيّة المتحدة ودورها القيادي. يتجاوز هذا الدور البلد نفسه وتجربته الفريدة التي اسّسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله،، كما يتجاوز المنطقة إلى العالم الواسع.

يعطي فكرة عن هذا الدور الزيارة التي قام بها الشيخ محمّد بن زايد رئيس دولة الإمارات لموسكو أخيرا ولقائه مع الرئيس فلاديمير بوتين. كانت الزيارة من منطلق عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة، وهو موقف مبدئي لدولة الإمارات. لكنّ ذلك لا يمنع التركيز على بقاء خطوط الإتصال والحوار مفتوحة مع الرئيس الروسي في ضوء حاجة العالم إلى مخرج بدل القاء في طريق مسدود. تسببت حرب أوكرانيا بكلّ أنواع الأزمات على صعيدي الطاقة والغذاء وغيرهما. باتت هناك حاجة إلى وقفها سريعا، بأي طريقة معقولة تحفظ السلام الدولي، من أجل انقاذ العالم من كارثة اكيدة.

يكتشف من يحضر السباق، الذي يُنظّم سنويا في جزيرة ياس، ذلك التفاعل بين الحكام والشعب والمقيمين في الإمارات، وهو تفاعل يعني الكثير في عالمنا المعقد الذي يمرّ في مرحلة دقيقة يواجه فيها كلّ نوع من أنواع المشاكل والأزمات.

لعلّ أهمّ ما يكتشفه من يحضر السباق والفعاليات المرافقة له أنّ الإمارات، على الرغم من أنّها دولة صغيرة وشابة، تنطلق من موقع قوّة بفضل تماسكها الداخلي والرابط القائم بين مواطنيها والمقيمين فيها من جهة والسلطة الحاكمة من جهة أخرى، وهي سلطة معنيّة بتوفير الرفاه والأمن والسعادة لكلّ من على أرض الإمارات بغض النظر عن جنسيته. المهمّ بالنسبة إلى حكام الإمارات إيجاد مصلحة مشتركة تربط بين الجميع، بمن في ذلك المقيم. تصبّ هذه المصلحة في حماية الاستقرار والأمن والإزدهار.

هناك مئات بل آلاف المواطنين والمقيمين يساهمون في تسهيل تنقل الجمهور في حلقة ياس القريبة من مدينة أبو ظبي، وهي الحلبة التي تستضيف سباق الجائزة الكبرى الأخير في برنامج البطولة الذي شمل هذا الموسم 22  سباقا.

ماذا تعني تلك المشاركة للمواطنين والمقيمين في تنظيم السباق؟ إنّها تعني قبل أي شيء آخر وجود دولة متصالحة مع نفسها يشعر فيها المواطن والمقيم بواجب المحافظة عليها، بما في ذلك حماية امنها.

تنظم دولة الإمارات سباق الجائزة الكبرى منذ العام 2008. ليس السباق سوى نشاط واحد من بين نشاطات كثيرة تطلّ من خلالها على العالم. قبل ايّام من موعد السباق يوم الأحد الماضي، كان هناك احتفال فرنسي- اماراتي بذكرى مرور خمس سنوات على افتتاح فرع لمتحف اللوفر الباريسي في ابوظبي. بعد ايّام من السباق سيغني اندريا بوتشيلي في أبو ظبي…

تعقد عشرات المؤتمرات في أبو ظبي. اكثريّة المؤتمرات ذالت طابع عالمي وفي غاية الأهمّية. لم يكن ذلك ممكنا لولا وجود قاعدة داخليّة متينة مترافقة مع رؤية طليعيّة تأسست انطلاقا من فكر المؤسّس الشيخ زايد بن سلطان الذي يحافظ أبناؤه على ارثه وفكره بدقة ليس بعدها دقّة أمانة ليس بعدها أمانة. قام هذا الفكر، الذي استطاع إقامة دولة الإمارات العربيّة المتحدة، على التسامح في كلّ المجالات، خصوصا المجال الديني… وعلى تطلّع إلى ما يمكنه ربط الإمارات بكلّ ما هو حضاري في هذا العالم. تظلّ البرامج التعليميّة المتطورة التي ترافق ما يجري في العالم اللبنة الأساسية في هذا المجال.

مثل هذا الفكر الطليعي، الذي ترافق مع وجود الرؤية الواضحة، وهي رؤية في أساسها الإنسان، سمح للشيخ زايد بلعب دور محوري في قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة. لا يمكن تجاهل أنّ مجلس التعاون تأسّس في أبو ظبي في أيّار – مايو من العام 1981  بعد اشهر قليلة من اندلاع الحرب العراقيّة – الإيرانيّة التي استمرّت ثماني سنوات. شكّل المجلس منذ تأسيسه مظلّة حمت دول الخليج العربيّة. سمح لها أيضا، في مرحلة لاحقة، باتخاذ مواقف جريئة دفاعا عن حقوقها وما تعتبره مواقف محقّة مثل الإعتراف بمغربيّة الصحراء في النزاع المفتعل مع المغرب، وهو نزاع يقف خلفه بوضوح النظام الجزائري.

مرّة أخرى، الموضوع ليس موضوع سباق للسيارات يهتمّ به مئات الملايين في مختلف انحاء العالم ويتابعونه بشغف. إنّه ابعد من ذلك بكثير. إنّه موضوع بلد منفتح على نفسه ومنفتح على العالم يتطلع كلّ يوم إلى تحقيق خطوة إلى امام، بما في ذلك تطوير مصادر الطاقة النظيفة، بدل البقاء في اسر عقد الماضي… وما أكثر هذه العقد التي لم تأت إلى المنطقة سوى بالخراب والدمار والإرهاب والتطرّف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.