أردوغان يلوّح بعملية عسكرية جديدة في سوريا.. اتفاق مع روسيا أم نُذر تصعيد خطير بين البلدين؟

41

لأول مرة منذ أشهر طويلة، عاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للتلويح بالقيام بعملية عسكرية جديدة في سوريا، وذلك في ظل تصعيد كبير تشهده مناطق شرق وغربي نهر الفرات شمالي سوريا وسط تصاعد هجمات روسيا والنظام على إدلب وهجمات الوحدات الكردية على القوات التركية، في ظل غموض كبير حول نتائج اللقاءات الروسية التركية المتواصلة على أعلى المستويات في الأيام الأخيرة.

ولا يعرف على وجه التحديد ما إن كانت التطورات المتلاحقة في شمال سوريا تأتي في إطار حراك سوف يقود إلى اتفاق جديد بين البلدين قد يشمل تغيير خريطة السيطرة في المنطقة أم أنها نُذر تصعيد خطير قد يقود إلى مواجهة جديدة بينهما إذا ما فشلت الجهود الديبلوماسية والاتصالات المكثفة المتواصلة بين الجانبين.

وفي كلمة له عقب اجتماع الحكومة التركية في أنقرة، اعتبر أردوغان أن صبر بلاده قد نفد تجاه هجمات التنظيمات الإرهابية في شمالي سوريا، في إشارة إلى الوحدات الكردية التي كثفت هجماتها في الأيام الأخيرة حيث أدت إحدى الهجمات إلى مقتل إثنين من عناصر شرطة المهام الخاصة في منطقة عملية «درع الفرات» شمالي سوريا.

وقال أردوغان: «الهجوم الأخير على قواتنا والتحرشات التي تستهدف أراضينا بلغت حداً لا يحتمل»، مضيفاً: «نفد صبرنا تجاه بعض المناطق التي تعد مصدراً للهجمات الإرهابية من سوريا تجاه بلادنا.. عازمون على القضاء على التهديدات التي مصدرها من هناك (شمال سوريا) إما عبر القوى الفاعلة هناك أو بإمكاناتنا الخاصة». وهدد بالقول: «سنقدم على الخطوات اللازمة لحل هذه المشاكل في أسرع وقت».

ولم يحدد أردوغان المناطق التي هدد بالتحرك ضدها لكنه اكتفى بالإشارة إلى أنها المناطق التي تستخدمها الوحدات الكردية في مهاجمة القوات والأراضي التركية، لكن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو كشف أن الشرطيين التركيين قتلا في هجوم انطلق من مناطق سيطرة تنظيم «ب ي د» في مدينة تل رفعت وهي منطقة تطالب تركيا منذ سنوات طويلة بطرد الوحدات الكردية منها وتهدد بالتحرك ضدها عسكرياً لكن روسيا وقفت على الدوام أمام الضغوط التركية بالسيطرة على المنطقة. وأعقب تهديدات أردوغان لقاء لوزير الدفاع التركية مع رئيس هيئة الأركان وقادة القوات الثلاث وكبار قادة الجيش.

كما تزامن مقتل الجنود الأتراك مع تفجير سيارة مفخخة في مدينة عفرين أسفر عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين. وتقول تركيا إن تنظيم «ب ي د» ينفذ هذه الهجمات انطلاقاً من تل رفعت وعين العرب/ كوباني، كما تزامن مع تطور أهم وهو سقوط عدد من القذائف الصاروخية على قضاء «قارقاميش» التابع لولاية غازي عنتاب جنوبي تركيا. واتهمت مصادر تركية الوحدات الكردية بتنفيذ الهجوم انطلاقاً من منطقة عين العرب شمالي سوريا، وهي منطقة تهدد أيضاً تركيا منذ سنوات بمهاجمتها لطرد الوحدات الكردية منها.

هذا التصعيد العسكري المتصاعد شرقي وغربي نهر الفرات، يأتي بالتزامن مع التصعيد الكبير والهجمات التي يشنها النظام السوري والطيران الحربي الروسي على محافظة إدلب ومحيطها، كما وصلت الهجمات الجوية الروسية إلى مناطق خارج إدلب واقعة تحت سيطرة القوات التركية، وهو ما يؤشر إلى استمرار الخلافات وعدم وجود اتفاق بين الجانبين حول مستقبل مناطق السيطرة والنفوذ في الشمال السوري.

ونهاية الشهر الماضي، اجتمع أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بمنتجع سوتشي في روسيا في لقاء استمر لقرابة ثلاث ساعات وجرى بشكل ثنائي من دون مشاركة وفود من الجانبين ومن دون تنظيم مؤتمر صحافي أو الإدلاء بأي تصريحات حول نتائج اللقاء الذي اكتفى أردوغان بوصفه بـ»البناء والعميق» ولم يفصح عن نتائج المباحثات المتعلقة بالملف السوري ومستقبل الشمال وهو الملف الذي كان الأبرز على طاولة الزعيمين.

ولم تمضِ أيام قليلة على قمة الزعيمين، حتى أعلن عن إجرائهما اتصالاً هاتفياً لم يتم الكشف عن تفاصيله، أعقب ذلك، الإثنين، لقاء بين وزيري خارجية البلدين سيرغي لافروف ومولود جاوش أوغلو خصص لبحث «مخرجات القمة والاتصال الذي جرى بين أردوغان وبوتين»، من دون أي إشارات إلى مدى توافق أو اختلاف البلدين حول الخطوات المقبلة في الملف السوري.

وفي ظل غموض مستقبل التوافق السياسي بين البلدين، يؤشر التصعيد العسكري على الأرض إلى حجم التحديات التي تواجه البلدين ومدى الاختلاف القائم وتتزايد التكهنات حول ما إن كان البلدان يتجهان نحو توافقات جديدة تعيد رسم مناطق السيطرة أم صدام يمكن أن يحمل في طياته تبعات خطيرة، لا سيما وأن التصعيد الميداني يعكس بطبيعة الحال حجم التجاذبات التي تشهدها المباحثات السياسية بين البلدين.

وبينما تضغط روسيا عسكرياً وسياسياً على تركيا من أجل تنفيذ تفاهمات سوتشي وسحب قوات المعارضة السورية خلف الطريق الدولي «أم 4» وفتح الطريق بشكل كامل، تضغط تركيا على روسيا من أجل عدم الوقوف أمام ما يبدو أنها مخططات للقيام بعملية عسكرية جديدة لطرد الوحدات الكردية من مناطق تل رفعت وعين العرب وغيرها، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام تكهنات حول ما إن كانت مقايضات سياسية ربما تفتح الباب أمام تغيير خريطة السيطرة بما يخدم أهدف ومصالح الطرفين في هذه المرحلة.

لكن هذا الخيار يبدو حتى الآن صعباً على الجانبين، فروسيا ترفض «شرعنة» أي عملية عسكرية تركية جديدة انطلاقاً من شعاراتها المتعلقة بـ»السيادة السورية وحق النظام بالسيطرة على كامل الأراضي السورية»، فيما تركيا تخشى أن يؤدي إلى تقدم للنظام السوري في إدلب إلى موجة لجوء جديدة لملايين السوريين القاطنين هناك، لكن ذلك لا ينفي إمكانية التوصل إلى تفاهمات أقل من قبيل ضغط روسيا على الوحدات الكردية لوقف هجماتها وربما سحب قواتها من بعض المناطق لصالح النظام السوري مقابل تراجع قوات المعارضة السورية وتولي الجيش التركي مهمة فتح الطريق الدولي «أم 4″، كون الخيار الآخر سيكون المواجهة العسكرية الخطيرة التي ستهدد علاقات البلدين وهو سيناريو غير وارد لدى الطرفين في هذه المرحلة على أقل تقدير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.