أساء للقضاء وللحرية الإعلامية… فماذا سيفعل القضاء؟

85

كتب عوني الكعكي:

أثار القرار القضائي الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في صور، محمد مازح، بمنع وسائل الإعلام المحلية من إجراء أي مقابلة مع السفيرة الاميركية في لبنان دوروثي شيا، لمدة سنة مع التهديد بعقوبات، ومنع السفيرة من الإدلاء بتصريحات وأحاديث للفترة نفسها، استنكاراً في صفوف الإعلاميين والديبلوماسيين اللبنانيين الذين شدد عدد منهم، على ضرورة إلتزام لبنان بـ»اتفاقية ڤيينا» الديبلوماسية، التي تمثّل قاعدة التعامل مع ديبلوماسيي البلدان المعتمدة.

وهنا يرتسم أمام المتابعين السؤال الكبير: هل يحق للقاضي مازح، إصدار هذا القرار أم لا؟ سيما وأنّ تداعيات إصداره أثار موجة عارمة من «السين والجيم» ما استدعى اتخاذ الخطوات التالية:

أولاً: الدعوة الى إبطال القرار والطعن به أمام القاضي نفسه.

ثانياً: استئناف القرار والتوجّه الى مرجعية قضائية أعلى رتبة من القاضي صاحب القرار.

ثالثاً: أهم ما يجب أن يتضمنه الطعن، هو أنّ القرار، صدر بشكل «تنظيم»، وهذا أمر تمنعه المادة الرابعة من قانون أصول المحاكمات المدنية، التي لا تجيز للأحكام أن تصدر على شكل «تنظيمات».

رابعاً: استند القاضي مازح في قراره على حديث للسفيرة الى برنامج أو مقابلة لـ»الحدث»… معتبراً أنّ السفيرة تخطت ما هو مسموح به بموجب «اتفاقية ڤيينا»، إذ هي تعرضت لمسائل سياسية داخلية، ما اعتبره القاضي مناقضاً للإتفاقية.. علماً بأنّ القاضي أقرّ في مطالعته أن لا صفة له لاتخاذ مثل هذا القرار، نظراً لوجود «اتفاقية ڤيينا» الآنفة الذكر عام 1961 والتي ترعى العلاقات الديبلوماسية بين الدول والحصانات المرتبطة بها.. كما أنّ تهديده الإعلام بعدم إجراء مقابلات مع السفيرة، وإلاّ فإنّ عقوبة إيقاف الوسيلة الإعلامية محلية أو أجنبية مدة سنة مع دفع مبلغ 200 ألف دولار، هو سابقة خطرة، لم يحدث مثلها بعد في لبنان… وهنا نتساءل: ما هو الرابط بين صلاحية قاضي الأمور المستعجلة، ومشاعر الشعب اللبناني التي تحدث القاضي عن المسّ بها.

لقد اعتبر القاضي في تبريره إصدار القرار أنّ «المشاعر» هي من ضمن الحقوق التي تجيز له وقف التعرّض لها. وهذا أمر لا يستقيم قانونياً ولا واقعياً، إذ ان الخلط بين الحقوق التي تشير إليها المادة 579، وبين المشاعر التي اعتبرها صاحب القرار من ضمن تلك الحقوق، هو أيضاً لا يستقيم «أي الخلط بينهما»، لا قانونياً ولا واقعياً.

إنّ تهديد الإعلام بالعقوبات، تعدٍّ صارخ على حرية الرأي والمعتقد، وهو يسيء الى القضاء نفسه، لأنه يخالف القانون في المادة الرابعة منه، كما ان هذا القرار التفّ على المعاهدات الدولية، والحصانات الديبلوماسية، كما التفّ على حرية المعتقد، وحرية الرأي والصحافة، وعلى الكلمة التي كفلها الدستور، فأصبح الإعلام جراء هذا النص الواضح، أنموذجاً يحتذى، وصار لبنان من خلاله، رائداً وأهم منبر عربي.

aounikaaki@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.