أليسار كركلا: أعمالنا اخترقت المستوى الفنّي العالمي على المسارح العالميّة

50

أليسار كركلا هي مصمّمة الرقصات والمديرة الفنيّة في مسرح كركلا الذي  تألّق بريق نجاحه في لبنان والعالم. مسرح يزخر أرشيفه بما يفوق 22 مسرحية ويحمل رسائل الفن والثقافة والحضارة والتراث والجمال والإبداع والإبهار بإسم لبنان على أرقى المسارح العربيّة والعالميّة.

الفن هو لغة أليسار ومملكتها، وهي ملكة بإبداعها، وإبنة مسرح لبناني وعربي وعالمي، وإبنة المايسترو الكبير عبد الحليم كركلا الذي تقول عنه إنّه يعبّر بمسرحياته عن أصالة شعب، وثراء تاريخ وتناولت إبداعاته كبريات الصحف العالميّة. معها هذا الحوار:

*بعد خبرة سنوات من الإبداع، ماذا تقولين اليوم عن أسلوب مسرح كركلا في مزج التقنيّات الغربيّة العالميّة في استعراضاته مع عصرنة التراث العربي؟

– أكثر ما يميّز مسرح كركلا هو أسلوب مسرحه الراقص المبني على التقنيّة المعاصرة للفن الحديث لتكون في خدمة التراث، وتلاقي الشرق مع الغرب في أعماله الفنيّة التي تربط الماضي والحاضر والمستقبل، لخلق حركة فنيّة تنبع من العادات والتقاليد كهويّة لمسرحنا العربي العالمي.من المهم أن نبقي على التواصل مع الجيل الجديد، ليكون له ارتباط مع الماضي ومع عاداتنا وتقاليدنا، لأنّ هذا التراث موجود بروحه وذاكرة أهله وأجداده. وإن أعمال كركلا الفنيّة أثبتت أنّ التراث يمكن تجديده، إلّا أنّه يجب أن لا نغيّر مضمون هذا التراث، بل ننقله بصياغة فنية معاصرة، تجعله يخترق المستوى الفنّي العالمي لجماهير العالم على كل المسارح العالميّة. وهكذا نكون قد قدّمنا هدية للجيل الصاعد ليتذوّق ويتعرّف على تراثه، ويكون فخوراً بالمستوى الفنّي الذي يعكس حضارة لبنان والبلاد العربيّة.

*كيف تستوحين حركات الرقص المتناسقة والمتنوّعة، وهل تخشين الوقوع في التكرار؟

– هذا سؤال مهم جداً يدخل في إبداع كلّ عمل. إنّ الموهبة وحدها لا تكفي، فالإطّلاع الدائم على الفنون حول العالم، والسعي نحو المعرفة، إلى جانب التجربة، تجعلك دائماً تصبو إلى التلاقي مع كلّ عمل جديد بصناعة فنيّة تحاكي المستقبل. ولكل عمل تعابير اللغة الجسديّة والكوريغرافيا الخاصة به التي تعبّر عن مضمونه، سواء كان هذا العمل تاريخياً أو معاصراً أو مستوحى من الروايات العالميّة. فهناك 3 نصوص يجب أن نتقيّد بها في العمل المسرحي للوصول إلى المستوى الفنّي المتميّز وهي: النص الكتابي، والنص الموسيقي، والنص الكوريغرافي.

*هل ما زلتِ تشرفين شخصياً على مدرسة كركلا لتعليم فنون الرقص، التي تدرّس جميع أنواع وأساليب الرقص؟

– يجب دائماً أن ننظر إلى تحقيق أحلام الجيل الصاعد وتنمية مواهبه، بين من تجذبه الحركة الكلاسيكيّة بالرقص الكلاسيكي، وبين من يجذبه الرقص الحديث، وبين من يحب رقص الفولكلور إلى آخره. فمن هنا يجب أن يكون لدينا الأسس العلميّة لتدريس جميع هذه الأساليب الفنيّة الراقصة بكل أنواعها وبحسب ميول وأحلام الجيل الصاعد.واليوم تضمّ المدرسة أكثر من 1500 طالب وطالبة من مختلف الأعمار، بدءاً من عمر 4 سنوات. كما تضمّ صفوفاً عدّة لتعليم فنون الرقص على اختلافها: الرقص الكلاسيكي، الرقص المعاصر، أسلوب مسرح كركلا، الهيب هوب، الجاز، الرقص التعبيري، وغيرها، وكلّ ذلك مع مدرّبين محترفين، وأقوم أنا بوضع البرامج والإشراف الكامل على المدرسة.

*هل صحيح أنّ لديكم مركزاً تراثياً لـ 100 ألف زيّ مسرحي لأعمال كركلا الفنّية، وأنّ نيّة الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم تتحقّق في إقامة متحف لأزياء كركلا؟

– كما يردّد والدي المايسترو كركلا: «إنّ كشف النقاب عن تراثنا والمطالعة في تاريخنا الأدبي والشعري والأسطوري، يغذّي العقل وينيره. إذ إنّ الماضي حي أبداً في ضمير الحاضر». من هنا تبرز أهمية «مركز كركلا للأبحاث التراثيّة» في صناعة الأعمال الفنيّة وإغنائها، من عادات وتقاليد وطقوس، وموسيقى وألحان فولكلوريّة، وأدب شعبي وأزياء، ورقص تراثي بأنواعه المختلفة وغيرها. والرئيس الشهيد رفيق الحريري، صاحب الرؤية الحضاريّة المثلى، كان ينوي إنشاء متحف لكركلا ليكون مركزاً حضارياً يتسنّى من خلاله للأجيال التعرّف على الأزياء الشرقيّة والعربيّة.

*كيف ما زلتم تحقّقون الإستمراريّة في ظل غياب الدعم الرسمي للفن في لبنان؟

– كركلا منذ بداية نشاطه الفنّي لم يكن على علاقة مع وزارة الثقافة في لبنان، ولا قامت أي بادرة رسميّة لتساعد مسرح كركلا في مسيرته الثقافيّة. إلا أنّه كان هناك دائماً من يحمل التقدير لإبداعات كركلا والمستوى العالمي الذي توصّل إليه بإسم الأمّة العربيّة، فكان يُنظر إلى هذا المستوى بتقدير وتشجيع، مدركاً أهميّة هذا النشاط، من هنا، نحن لا ننسى رعاية جلالة الملك الحسين رحمه الله، وفضل الشهيد الرئيس رفيق الحريري الذي قدّم للفرقة الرعاية والدعم الكامل في رحلاتها حول العالم، من البرازيل وأميركا وأوروبا والعالم العربي، ووليد بك جنبلاط الذي استضاف الفرقة في الشوف خلال الحرب لمدة 6 أشهر، والأستاذ جوزيف عبده الخوري رحمه الله، ومعالي الوزير محمد الصفدي، والمايسترو فرانكو زيفيريللي… هؤلاء هم الرجال الأشراف الذين نظروا إلى الحركة الفنيّة العالميّة التي توصّل إليها مسرح كركلا.

*سبق أن حاضرتِ على منبر عالمي هو جامعة «هارفرد» حول قدرة الرقص على التأثير في حياة الشعوب، هل برأيك إنّ الرقص لا يزال عنصراً مؤثّراً في الشعب اللبناني، الذي يُقال عنه اليوم إنّه يرقص مذبوحاً من الألم؟

– إن الفن هو المقياس الأساسي لحضارات الشعوب وعظمتها، فعندما نتكلم عن «البولشوي»، فيعني أنّنا نتكلّم عن عظمة روسيا، وعندما نتكلّم عن عظمة الـ Royal Ballet فيعني أنّنا نتكلّم عن عظمة بريطانيا، وعندما نتكلّم عن بيجار، فنتكلّم عن عظمة أوروبا وعما قدّمه من أعمال بإسمها، وعندما نتكلّم عن مارثا غراهام، فنتكلّم عن هذه المرأة العبقريّة الأميركيّة التي أوجدت الفن الحديث المعاصر. وكلّ هذه المظاهر تبدلّت مع الأزمنة وتطوّرت إلى مستوى عالٍ جداً. من هنا ندرك أنّ الرقص هو من العناصر المهمّة في إبراز عظمة الشعوب ورقيّها. أما في لبنان فهناك مسرح كركلا الذي حمل رسالة لبنان والتراث العربي إلى أكبر المسارح ودور الأوبرا حول العالم، معبّراً عن أصالة شعب، وثراء تاريخ تناولت إبداعاته كبريات الصحف العالميّة.

*شاركتِ كأحد أعضاء لجان تحكيم برامج الهواة والرقص في لبنان، هل صفّقت إعجاباً بفرقة «ميّاس» الراقصة بعد فوزها في برنامج America›s Got Talent؟

– إن فرقة «ميّاس» تعبّر عن حركة فنيّة معاصرة نفاخر بها، كما نفاخر بسائر المواهب اللبنانيّة التي تجسّدها الأجيال الناشئة بجميع الفنون الإبداعيّة على أنواعها والتي تمجّد لبنان وشعب لبنان. اللوحات الفنيّة التي تقدمها فرقة «ميّاس»، هي إبداع فنّي راقص متناسق له تقنيّته الراقصة الخاصّة، يحمل شكلاً فنّياً جديداً يعبّر عن الزمن الذي نحن فيه ويحمل الدهشة والفرح إلى الجمهور في أي مكان في العالم.

*أكثر من نصف قرن ومسرح كركلا لم يتوقّف عن إبداعاته الفنيّة، وفي أرشيفه ما يفوق 22 مسرحية غنائيّة راقصة، فما هو العمل الذي تعملون حالياً على تحضيره؟ وهل من جولات عالميّة في المستقبل؟

– هناك جولة عالميّة قريباً إلى أميركا والصين لمسرحية «فينيقيا الماضي الحاضر»، كما أننا سنقدّم في شهر شباط 2023 مسرحية «جميل وبثينة» في مدينة جدّة، يتبعها جولة عالميّة لها حول العالم، كما قمنا سابقاً بجولة في الإمارات العربية المتّحدة لمسرحية «زايد والحلم» إلى باريس – مسرح المؤتمرات وأميركا – كينيدي سنتر، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس –  UCLA، والمملكة المتّحدة  – Coliseum وبعد توقيع مسرح كركلا مذكّرة التفاهم مع وزارة الثقافة في المملكة العربية السعوديّة، نعمل على تحضير عمل جديد سنقوم بالإعلان عنه قريباً.

فدوى الرفاعي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.