أميركا تتحدّى الصين من تايوان: تهديداتكم لا تخيفنا

30

محمد السماك

اساس ميديا

أعلنت الولايات المتحدة أنّها بصدد تنظيم زيارة سياسية لتايوان تقوم بها رئيسة المجلس النيابي الأميركي نانسي بيلوسي. كان ردّ فعل الصين رافضاً للزيارة، مندّداً بها، مهدّداً بالويل والثبور وعظائم الأمور. وأمس الأوّل بعد وصول بيلوسي، استنكرت الصين “التصرفات الأميركية الخطيرة”.

في عام 1997 قام بزيارة رسمية لتايوان رئيس المجلس النيابي الأميركي في ذلك الوقت نيوت غينغريتش. يومها أعلن رغبته في الزيارة من بكين ذاتها، التي كان يقوم بزيارة رسمية لها. لم تبدِ الصين وقتها ارتياحاً للإعلان، لكنّها لم تجرؤ على معارضتها. يومها قالت بكين للرئيس غينغريتش: “بما أنّنا لن نهاجم تايوان فلستم مضطرّين إلى الدفاع عنها”.

هذه المرّة تقول الصين كلاماً آخر. فهي تحذّر من أنّه إذا قامت بيلوسي بالزيارة فإنّ الصين سوف تمنعها بالقوّة. لكنّها لم تمنعها.

المسافة بين غينغريتش 1997 وبيلوسي 2022 تحمل متغيّرات كثيرة. خلال هذه المدّة التي لا تزيد على 25 عاماً، انتقلت الصين من دولة مهيضة الجناح إلى دولة تحلِّق بأجنحة النسور، من دولة تُوجَّه إليها التهديدات إلى دولة تطلق التهديدات حتى للدولة العسكرية الكبرى في العالم، الولايات المتحدة.

كان من المقرّر أن تقوم بيلوسي بزيارة تايوان في شهر نيسان الماضي. إلا أنّها أُصيبت بفيروس كوفيد 19 (كورونا)، فاضطرّت إلى تأجيل الزيارة، ومعها تأجّل انفجار الأزمة الأميركية – الصينية. أمّا الآن وبعد الحرب الأوكرانية، فإنّ الزيارة تأخذ طابعاً آخر. وهو توجيه رسالة عدم رضى الولايات المتحدة على التعاون الصيني – الروسي. وهو تعاون يتجاوز استيراد النفط والغاز عبر دول آسيا الوسطى، إلى التعاون الاقتصادي والمالي الذي يشكّل التفافاً على العقوبات الأميركية – الأوروبية على روسيا.

 

الصين تهدّد أميركا

لكنّ صين اليوم هي غير صين 1997. هذه المرّة صدر التهديد عن الصين إلى الولايات المتحدة، وجاء فيه أنّه إذا قامت رئيسة مجلس النواب الأميركي بالزيارة الرسمية فإنّ الصين ستقوم باسترجاع تايوان إلى الوطن الأمّ بالقوّة العسكرية. ولم تكتفِ بإصدار البيانات وإطلاق التصريحات، بل ترجمت ذلك باستنفار أسطولها البحري وقوّاتها الجوّية للتأكيد أنّها تعني ما تقول.

ويبدو أنّ القوات الأميركية (الأسطول السابع) الموجودة في المنطقة وحولها، أدركت عن كثب أنّ الصين تعني فعلاً ما تقول. لذلك طلبت من البيت الأبيض إعادة النظر في موضوع الزيارة. وبالفعل أعلن الرئيس جو بايدن أنّ “القوات الأميركية لا تجد أنّ الوقت مناسب للزيارة، ولذلك لا أرى أنّ فكرة الزيارة هي فكرة جيّدة الآن”.

سبق إعلان هذا الموقف السياسي الأميركي التراجعي، إعلان عسكري صيني يعتبر منطقة تايوان، بحراً وجوّاً، منطقة عمليات عسكرية. وهذا يعني أنّه إذا أصرّت الإدارة الأميركية على الزيارة فإنّ سلامة رئيسة المجلس النيابي بيلوسي ستكون في دائرة الخطر. لكنّ أيّاً من ذلك لم يحصل.

 

روسيا على خطّ النزاع

منذ أن انفتحت الولايات المتحدة على الصين في عهد الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون (ووزير خارجيّته في ذلك الوقت هنري كيسنجر)، كان الهدف من وراء ذلك توظيف سوء العلاقات التي كانت قائمة في ذلك الوقت بين موسكو وبكين لتعزيز الهيمنة الأميركية على آسيا (من المحيط الهندي إلى المحيط الهادئ). غير أنّ ما يحدث اليوم يدفع بالعلاقات الصينية – الروسية قدماً نحو مزيد من التفاهم الاستراتيجي والتعاون الاقتصادي. وممّا يزيد من أهميّة ذلك أنّ الصين اليوم عسكرياً واقتصادياً وسياسياً لم تعد صين العقد الماضي، أو العقد الذي سبقه. بل أصبحت دولة نووية كبرى تتقدّم اقتصادياً على سائر دول العالم بما في ذلك اليابان وكوريا والاتحاد الأوروبي. ولعلّ الولايات المتحدة لم تعد استثناء.

توجد في الولايات المتحدة مراكز متعدّدة للدراسات والأبحاث، منها مركز جورج مارشال (صاحب فكرة مشروع مساعدة أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية) الذي ترأسه الدكتورة بوني غليسر. وهي تقول إنّها تلقّت من أحد المصادر العسكرية الصينية رسالة بالبريد الإلكتروني يعبّر فيها عن وجهة نظره الشخصية (؟) من زيارة السيدة بيلوسي لتايوان. يقول في الرسالة إنّ الطائرات العسكرية الصينية سوف تتدخّل لمنع الطائرة التي تقلّ رئيسة المجلس النيابي الأميركي من الهبوط في تايوان.

تذكّر هذه الرسالة بما ردّده الرئيس الصيني نفسه للرئيس الأميركي في المحادثة الهاتفية الإلكترونية المصوّرة بينهما، من تحذير واضح ومباشر من أنّ “من يلعب بالنار سيواجه العواقب”.

تعرف الولايات المتحدة معرفة جيّدة مدى التطوّر العسكري الصيني (في البرّ والجوّ والبحر)، سواء من حيث النوع أو من حيث الحجم. ولكنّ الأزمة المتعلّقة بزيارة السيدة بيلوسي لتايوان عرّفت الولايات المتحدة على تطوّر صيني آخر، وهو أنّ هذه الترسانة العسكرية ليست للتخويف أو للردع فقط!!

يئنّ العالم تحت وطأة الحرب الروسية في أوكرانيا التي تخوضها الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي بالواسطة. ولكن إذا انفجرت، لا سمح الله، حرب صينية أميركية في تايوان، فإنّ الحرب هناك ستكون حرباً مباشرة تجرّ دول المنطقة، بما فيها كوريا واليابان. ولذلك قد يبدو ما يحدث في أوكرانيا اليوم لعبة أطفال.

لقد سارعت كوريا الشمالية إلى استنفار قواتها النووية – الصاروخية وكأنّ الحرب سوف تنفجر غداً، وانطلاقاً من زيارة السيدة بيلوسي لتايوان.

بيلوسي وصلت أمس ظهراً على متن طائرة عسكرية أميركية إلى مطار سونغشان في تايبيه، حيث استقبلها وزير الخارجية التايواني جوزف وو. وفي أول تصريح لها من تايوان، تعهّدت بدعم واشنطن لتايبيه قائلة: “مباحثاتنا مع المسؤولين في تايوان ستشمل الدعم الأميركي لهم”. وبحسب وكالة أنباء تايوان، ستلتقي اليوم رئيسة تايوان، على وقع قول البيت الأبيض: “تهديدات الصين لن تخيفنا” .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.