أميركا تريد حرب “ماكينات” مع إيران

43

بقلم بديع يونس

«أساس ميديا»

“كما في المراكز التجارية، كلّما زاد عدد كاميرات المراقبة، ارتدع السارقون أكثر”. بهذا المنطق يشرح قياديّ في الأسطول الخامس لـ”أساس” الهدف من إطلاق مشروع “الأفق الرقمي” في مياه الخليج والبحر الأحمر بوجه تهديدات إيران العسكرية والأمنيّة.

استراتيجية جديدة كشفت عنها القوات الأميركية تتضمّن “تكنولوجيا جديدة” تسمح بـ”مراقبة البحار بشكل أوسع للتصدّي للقرصنة وتهريب السلاح والمخدّرات وحماية السفن التجارية بهدف تأمين الملاحة الدولية”، بحسب المتحدّث الرسمي باسم الأسطول الخامس لـ”أساس” القائد تيم هوكينز.

هدف هذا المشروع هو “تقليص التهديدات الإيرانية في البحار الإقليمية وصولاً إلى إنهائها”. لكن يتبيّن شيئاً فشيئاً أنّ الهدف هو المواجهة، من دون أكلاف بشرية، ومن دون مواجهات تؤدّي إلى حرب.

لدى سؤال قادة “الأسطول الخامس” عن إمكان أن تنتهي هذه التهديدات فيما النظام في إيران قائم، يرفض “العسكر” الإجابة على سؤال يصفونه بـ”السياسي”، لكنّهم يؤكّدون لـ”أساس” أنّ “مواجهة تهديدات إيران تكون بتقوية التعاون والشراكات في المنطقة عبر تقنيّات وتكنولوجيا مراقبة جديدة تضع عيوناً أكثر في البحار فتسمح بالتصدّي لعمليات غير مشروعة من تهريب إيراني مباشر أو عبر وكلاء وعصابات”.

بحسب ما كشف الأسطول الخامس فإنّ هذه التكنولوجيا الجديدة “تتضمّن 15 نوعاً من المسيّرات (بين طائرات وقوارب)، بينها 10 أنواع تُستعمل للمرّة الأولى”.

Machine Vs Machine

لكنّ السؤال يرتبط بنجاعة هذه التكنولوجيا وقدراتها الرادعة، وهل فعلاً الأميركيون جادّون بالتصدّي للتهديدات الإيرانية؟

يجيب رئيس “المنتدى الخليجي للأمن والسلام” الدكتور فهد الشليمي في حديثه لـ”أساس”: “لا شكّ أنّ هذه التكنولوجيا تصنع فرقاً، لكنّ سبب استخدامها أنّ الأميركيين لا يريدون التورّط في مواجهة مع إيران Man to Man، بل يبحثون عن Machine Vs Machine أو Machine Vs Men. يريدون أن يراقبوا ويستشعروا من وراء الشاشات”.

الشليمي هو عقيد ركن كويتي متقاعد، وخبير أمنيّ حاصل على دكتوراه في العلاقات الدولية وماجستير في العلوم العسكرية، ويعتبر أنّ “الهدف هو إتمام مهمّة بدون تعريض القوات الأميركية لخطر الاحتكاك المباشر”. كلامه هذا يختلف عن تصريحات الأسطول الخامس الذي بدا وكأنّ مشروعه هو صناعة مهمّات أكثر فعّالية في التصدّي للتهديدات الإيرانية.

صحيح أنّ المساعي “حثيثة”، أقلّه عسكرياً من قبل القوات الأميركية، إلا أنّه في بعض الأحيان تكون “محاباة” الدبلوماسيين والساسة الأميركيين للإيرانيين مرتبطة بالمحادثات النووية. وذلك منفصل تماماً عن التهديدات التي تتعرّض لها المنطقة كما القوات الأميركية في هذه المنطقة.

يشدّد الأسطول الخامس لـ”أساس” على أنّهم حقّقوا نجاحاتٍ كبيرة فعلاً في السنتين الأخيرتين “مع إحباطهم عمليات تهريب مخدّرات بمليار دولار تقريباً وضبطهم 9 آلاف قطعة سلاح كانت موجّهة من إيران نحو اليمن”.

يتابع الأسطول الخامس ويكشف عن أنّ “عملية مشتركة مع القوات البريطانية أدّت إلى إحباط عملية تهريب قطع صواريخ تبيّن أنّ مثيلتها استُخدمت بالهجمات على السعودية والإمارات”. ويشدّد على أنّ “المصدر هو إيران”، كما كشف لـ”أساس” في الجزء السابق من هذا التقرير.

أميركا ليست جادّة؟

هنا يخفّف رئيس “المنتدى الخليجي للأمن والسياسة” من “الحماسة والجدّية” اللتين أظهرهما الأسطول الخامس في “الإشادة بنجاحه”. إذ يرى الشليمي أنّه بعيداً عن الإعلام “يعلم الأميركيون أنفسهم أنّ ما يقومون به غير كافٍ”. ويتابع أنّ “هناك ضغطاً من السياسيين على العسكريين، والدليل على ذلك أنّ قواعد الاشتباك تغيّرت: في السابق من يقترب من السفن الأميركية أو القوات الأميركية لـ1 كلم كان يُعتبر خطراً داهماً ويبادر الجنود إلى إطلاق النار عليه. أمّا اليوم فالزوارق الإيرانية تقترب لـ300م ولا يتمّ إطلاق النار عليها، بل يُكتفى بالمراقبة. ما تزال التهديدات الإيرانية قائمة، لكنّ التعامل معها يتّخذ شكل “دفاع سلبي” هذه الأيام”.

أمّا الأسطول الخامس فيؤكّد لـ”أساس” أنّ “كلّ مساعيه تنصبّ على ضمان الأمن البحري في الخليج العربي والبحر الأحمر. وتوظيف التكنولوجيا الجديدة وإنشاء أسطول المسيّرات من شأنهما خفض التهديدات الإيرانية وصولاً إلى إنهائها”.

لدى سؤال رئيس “المنتدى الخليجي للأمن والسلام” عمّا يجب على الأميركيين تقديمه إلى الحلفاء والشركاء في المنطقة ولا يفعلونه، يكشف في جوابه عن أنّ “السياسة الأميركية قامت أخيراً على التهدئة العسكرية مع إيران، وهو ما يفسّر أنّهم في موقع ردّة فعل لا في موقع مبادر إلى إنهاء التهديد”. وبالنظر إلى ما يفعله الأميركيون يتساءل الشليمي: “لماذا يتعاملون مع القوارب بعد خروجها من الموانئ الإيرانية ولا يتمّ التعامل مع مصدر انطلاق التهديد”. ويخلص إلى أنّ المطلوب هو “إنهاء التهديد ومكافحته من المصدر، لا أن يكون الأميركيون في موقع ردّة فعل ودفاع سلبي بوجه التهديدات الإيرانية”.

يبقى التساؤل الأساسي: ما دام مصدر التهديدات معلوماً ونقطة انطلاق التهديدات معلومةً أيضاً، بدءاً من بندر عباس إلى غيره من المرافئ الإيرانية، لِم لا يتمّ منعها من المصدر؟ الجواب ليس عند العسكر، بل في أروقة واشنطن السياسية ولدى الإدارات الأميركية المتعاقبة.

هل ينتهي تهديد المنطقة ما دام النظام الإيراني الحالي قائماً؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.