أين «الكتاب» يا فخامة الرئيس؟

90

في اليوم الخمسين على انطلاق هذه الثورة العظيمة لا يزال المسؤولون ومعظم أهل السياسة يتعاملون معها وكأنّها مسألة عابرة في اليوميات اللبنانية… متغافلين، أو غافلين فعلاً، عن أنها منعطف كبير جداً في تاريخ هذا الوطن، بحيث تبدو الحقيقة الساطعة، مهما تجاهلوها وهي: ان ما بعد ١٧ تشرين الأول هو غير ما قبله!

ويبدو العهد الرئاسي في طليعة الذين يتجاهلون المتغيّرات المهمة التي انبثقت من الثورة، فيما يتمسّك السياسيون بكراسيهم وهم يعلمون أنها على شفير الإنهيار إن لم تكن قد انهارت فعلياً، ولم يتبقَّ منها إلاّ المظهر.

ولسوء الحظ فإنّ الرئيس ميشال عون يتصرّف في سدّة الرئاسة ليس فقط كأنّ لا ثورة تفرض ذاتها ولا ثوار تشق صيحاتهم عنان السماء، بل أيضاً كأنّ لا دستور ولا «اتفاق الطائف» ولا أعراف… وذلك في المسار الذي يسلكه بالنسبة الى التعامل مع مسألة التكليف بعد استقالة الرئيس سعد الحريري.

من ذلك، ان الرئيس عون يتصرّف وكأنّ لا استشارات ملزمة، ولا مجلس نواب… فهو يستشير ذاته ويستشير جبران ويستشير من يريد، و»يكلّف» من يريد قبل الإستشارات: وبالتالي حتى عندما حدّد موعداً للإستشارات الملزمة الجدّية كان الوقت قد تأخر كثيراً، من هنا رأينا إنتفاضة الناس في الشارع فور إعلان قصر بعبدا عن مواعيد إجراء الاستشارات النيابية.

ومن الطبيعي أنّ هذا التصرّف يستثير الحقوقيين ورجال الدستور والنواب عموماً والشعب الثائر خصوصاً، وبالذات يستثير إستياء وتذمّر أهل السنّة الذين يعتبرون، عن حق، أنّ رئيس الجمهورية يخرق الدستور ويتجاوز الأعراف ويتعامل مع رئاسة الحكومة بهذا الإستلشاق غير المبرّر، إضافة الى أنه خارج ليس فقط عن النصوص بل أيضاً عن اللياقات… إضافة الى أنّ من شأنه أن يثير حساسيات ما أغنانا عنها في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ لبنان…

يضاف الى ذلك أنّ تحالف الرئيس وجبران مع الثنائي الشيعي أعطاهم فائض قوة غير مفهوم راحوا يترجمونه على حساب كرامة وهيبة رئاسة الوزارة بما يشكل تحدياً مباشراً للطائفة السنّية التي يجب أن ينبثق رؤساء الوزراء من إرادتها الشاملة وليس فقط من الاستشارات الملزمة، بل تأتي هذه تتويجاً لتلك، ولكن لا يجوز، في أي حالٍ من الأحوال، أن يأتي الرئيس المكلف بقرار من «التيار الوطني الحر» أو من حركة «أمل» أو… الخ…

وعندما يرى المواطن السنّي أنّ الرئيس عون وصل الى سدّة الرئاسة بدعوى الميثاقية وأنه الأقوى في طائفته، وعندما يستقر الرئيس نبيه بري رئيساً لمجلس النواب بدعوى مماثلة، فكيف سيقبلون بأن يتم اختيار رئيس الحكومة من أسماء يختارها لهم الآخرون؟!.

أضف الى ذلك أنّ العهد والطبقة الحاكمة يصرّان على تجاهل إرادة الناس التي عبّر عنها مليونان من اللبنانيين الذين غصّت بهم الساحات والشوارع والميادين! والعهد وأهل السياسة الذين هم وريثو تجربة استمرت نحو سبعة عقود ليتهم يفسحون في المجال أمام حكومة إختصاصيّين فنجرّبهم لسبعة أشهر، ونرى ما إذا كانوا عند قدر المسؤولية أم لا… وأما أن يتم تجاهلهم والحكم عليهم سلفاً، فهذا لن يؤدّي إلاّ الى المزيد من الثورة والجموح نحو التصعيد.

وفي الخلاصة، ليت فخامة الرئيس ميشال عون يقتدي بسلفه العظيم الرئيس فؤاد شهاب الذي كان لا يتصرّف بأمر إلاّ وفق «الكتاب»، أي الدستور.

عوني الكعكي

aounikaaki@elshark.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.