إرث رفيق الحريري الإنساني

71

بقلم مروان اسكندر

تعرفت الى الرئيس رفيق الحريري عام 1968 على غداء واقع على نهر قريب من باريس بدعوة من روبير دباس رئيس شركة كهربائية، كانت شركته تعمل مع شركة الحريري على إنجاز مجمع في مدينة الطائف، أراد العاهل السعودي إنجازه لاستقبال المشاركين في مؤتمر إسلامي.

خلال حياتي المهنية تعرفت الى لبنانيين متميزين: هما اميل البستاني الذي أسّس شركة «الكات» والذي يتدفق نشاطاً وفكراً، وكان أول لبناني يؤسّس شركة تعهدات تعتمد مقاييس دولية، وعملت معه لسنة غاب بعدها بسبب وفاته في تحطم طائرة خاصة لعمل الشركة، وكان ذلك في شهر آذار من عام 1963.

المميّز الثاني الذي حظيت بفرصة العمل معه بعد تأسيسي شركة استشارات عام 1968 بعد رجوعي من جامعة اكسفورد عام 1966، وكان المميز الثاني والناجح على مستوى إقليمي وعالمي هو رفيق الحريري.

علاقتي برفيق الحريري استمرت من 1978 وحتى شهر شباط عام 2005 حين اغتيل على أيدي عملاء كانوا يعملون لحساب رئيس القوات السورية في لبنان رستم غزاله الذي اختلس 45 مليون دولار من بنك المدينة ببطاقته المصرفية.

حينما باشر رفيق الحريري أعماله في لبنان إنصب اهتمامه على إعادة إحياء وسط بيروت المهدّم، وعلى تأمين العلم للطلاب الجامعيين، وترسيخ بنك كان يعاني من عدم توافر موارده لتأمين استمرار العمل في فرنسا حيث كان ينشط رجل أعمال لبناني كان جوزف الخوري الذي غيّبه الموت.

لقد حظيت بمحبة رفيق الحريري، وكان يؤمّن لي مجالسته أبو طارق الرفيق لرفيق الحريري فيفسح لي مجالات الاجتماع لبحث شؤون طارئة مع الرئيس الحريري الذي أقام في ڤيلا أنجزها نجيب صالحة الذي عمل في السعودية، وبعد عودته أسهم في إنجاز فندق الفينيسيا ومن بعده الفاندوم، وأنهى مركز إقامته في فيلا على مقربة من كلية بيروت للإناث والتي توسّعت الى مستوى جامعي جيد وإصبحت جامعة للشباب والشابات، وحازت معونات من رفيق الحريري كما حازت الجامعة الاميركية والجامعة اليسوعية.

خلال أيام الحرب بين اللبنانيين والفلسطينيين، كان استمرار الجامعات الثلاث اليسوعية، والجامعة اللبنانية الاميركية LAU التي توسّعت، والجامعة الاميركية.

كنت مجتمعاً مع الرئيس الحريري في غرفة استقبال صغيرة نسبياً في المبنى الذي أنجزه على الارض التي ابتاعها مع الڤيلا التي أقام فيها، وكان معنا شاب وسيم يهندس شعره عرفني عليه الرئيس بأنه أحد أبنائه سعد، ومنذ ذلك التاريخ حافظت على علاقة مع سعد لأنه إنسان طيّب ومنتج، كان الأب يعتمد على نشاطه وطموحه في مجالات العمل في السعودية.

سألت الرئيس بصوت خافت: كيف تقيم إبنك سعد؟ فأجابني بالتأشير الى قلبه وعقله هو، وقال: إنه أشبه أولادي بخصائصي.

اغتيال رفيق الحريري أدى الى غياب صاحب النشاط الانتاجي والدولي، والذي كان يعبّر عما يطلب إنجازه بهدوء، وكان على قناعة بأنّ سعد الحريري يحوز توجهاته العملية والانسانية، وأنه خير من يستطيع إنجاز طموحات والده للبنان وأهله.

تطورت علاقتي بسعد الحريري، وكان قد أسّس مكتباً له في روسيا، ومنذ 1992 تحوّلت روسيا من بلد يعاني أزمات غذائية وتحديات سياسية كبيرة، وكنت ألاحق تطوّر روسيا لأنّ ما بدأ فلاديمير بوتين تحقيقه كان يؤسّس لنجاح كبير، وهذا ما حصل وما رافقه سعد الحريري، وحينما عرضت عليه أن أنجز كتاباً عن روسيا اسميته «الدب تحوّل نمراً: روسيا وانبعاثها من جديد»، والكتاب صدر في عام 2009 مع الشكر لرمزي الحافظ الذي كان الناشر، والكتاب يقع في 413 صفحة، وقد حظي بمقدمة عضو الأكاديمية العلمية الروسية صاحب الاختصاص بقضايا الشرق الأوسط البروفسور Vitaly Naumkin الذي أنهى تقييمه بالكلمات التالية:

«إنّ هذا الكتاب المميّز لا بد وأن يكون الكتاب المرجعي لجميع المهتمين بالشأن الروسي»، وبالفعل أنجزت الاكاديمية الروسية للعلوم ترجمة النص ونشر الكتاب بالروسية.

العمل على إنجاز الكتاب من قبلي استغرق عامين والسفر خمس زيارات الى روسيا، والتعرّف للعديد من أصحاب المسؤوليات وأصحاب كتب معروفة، وكان مساعد الرئيس سعد الحريري الدكتور شعبان المساعد الرئيسي على إنهاء مقابلات مفيدة وتقديم شروحات عن الثروة النفطية والغازية في روسيا.

واجه الرئيس سعد الحريري صعوبات رئيسية من قبل فريق الرئيس ميشال عون الذي كان قد عاد الى لبنان من منفاه في باريس أوائل صيف 2005، وكان فريق سعد الحريري قد حقق انتصاراً كبيراً في انتخابات ذلك العام وخلاله عمل على تأمين التزامات من هيئات دولية وبلدان متطوّرة بتأمين 11.5 مليار دولار لإنجاز مشاريع تجهيزية في لبنان.

لجأ الرئيس ميشال عون الى القيام بمقابلة تلفزيونية على شبكة حاز على إقامتها بإشراف إحدى بناته الى التنديد ببرنامج سعد الحريري وقدراته الشخصية، وكان الرئيس عون مصرّاً على تولية أحد السياسيين مسؤولية وزارة الطاقة، وقد بدأت هذه العملية بتوزير جبران باسيل صهر ميشال عون صاحب الطموح لوزارة الطاقة، واستعد هذا الفريق على الانجاز وركز أعضائه واحداً بعد الآخر على زيادة كميات استيراد الوقود، لأنّ العملية لم تكن خاضعة لمناقشة لمجلس، وأصبح لبنان مديناً عام 2020 بـ46 مليار دولار كانت تشكل مع فوائدها 65% من الدين العام، ومن ثم أنجزت حكومة حسان ديب أسوأ خطة بامتناعها عن تسديد فائدة دين اليورو بوند، فأصبح لبنان من البلدان المصنفة بأنه بلد عاجز، وبالتالي استشعر سعد الحريري انه لا يريد الإسهام في إغراق لبنان بتهمة العجز عن إيفاء فائدة دين دولي، فانهارت الليرة وتوسعت حركات الاحتجاج الشعبي، وابتعد من عرضوا حل مشكلة الكهرباء، وأحد الوزراء من كتيبة جبران باسيل أبلغ أنجيلا ميركل خلال زيارة لها بعد احتفالها في مصر بإنجاز شركتها المميزة بهذا العمل شبكة تؤمن 14 ألف ميغاوات ان لبنان حقق إنجازات في مجال إنتاج وتوزيع الكهرباء يفوق ما تحقق في ألمانيا.

إننا نظن ان طاقم ميشال عون تسبب في تفاقم مشكلة الكهرباء وازياد العجز ومحاولة إبعاد سعد الحريري عن الحكم، وهكذا كان.

لتبيان أسفه على مستقبل لبنان، أرسل الرئيس سعد الحريري بتاريخ 2 حزيران عام 2021 الرسالة التالية باللغة الانكليزية… المدرجة صورتها في هذا المقال وترجمتها هي التالية:

مرون اسكندر

الصديق العزيز

أشكرك على إهدائك لي كتابك الحديث المعنون «معاناة لبنان على مواجهة 6 سنوات من العتمة 2014- 2020» الذي يبيّـن أزمة تحقيق استعادة الانتاج الذي فقدناه ونعاني نتائج هذا العهد.

أرجو أن يؤدي تحليلك الدقيق وأنت من أميز الاقتصاديين والمراقبين في لبنان أن تساعدنا لاستكشاف وسائل التغلب على هذه الأزمة الفاجعة.

لقد كنت صديقاً لوالدي، رفيق، الذي كرست لذكراه كتاب تاريخ متميّزاً عام 2006. أنا أعتز بهذه المبادرة وأكون بالغ السرور لاستقبالك وتبادل الأفكار النيّرة لديك.

بعد تكريري شكرك أعبر لك عن تهاني، وأرجو أيها الصديق العزيز أن تدرك اعتزازي بصفاتك وصداقتك.

سعد الحريري

لقد ورث سعد الحريري تفاصيل مواقف إنسانية صبغت فترة حكم الرئيس رفيق الحريري قبل اغتياله وبعض رفاقه ومنهم باسل فليحان وأبو طارق في مثل هذا اليوم منذ 19 سنة…

– أكبر خدمة قدمها رفيق الحريري للبنان تأمينه تمويلاً من جلالة الملك فهد بن عبدالعزيز لإزالة الألغام التي بعثرها الجنود الاسرائيليون في المناطق الحساسة في بيروت وصيدا خلال احتلال عام 1982، ولولا ذلك لما تحركت حركة البناء.

– إنشاء شركة إعادة إعمار بيروت، وكانت الشركة قيد الانجاز حينما اقترح مستشار فرنسي أن يبلغ رأسمالها 1.40 مليار دولار حيث تقديرات الاستملاك بلغت حوالى 1.2 مليار دولار، وكنت إضافة لناصر الشماع والرئيس الحريري والخبير الفرنسي في اجتماع إقرار موازنة الشركة فتصدّيت لرأي الخبير وقلت للرئيس إنّ القانون اللبناني يسمح لأي فريق يحمل 35% من أسهم شركة أن يتصدّ لقرارات مصرّة بمصالحه، وبالتالي اقترحت رفع رأس المال الى 1.8 ملياردولار، وهكذا كان بقرار الرئيس الحريري.

– لقد أنشأ رفيق الحريري مؤسسة لمساعدة الطلاب من دون تمييز حسب الطائفة التي ينتسبون إليها لتحصيل التعليم في فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة وفي اليابان لتلمذة كانت ترغب اكتساب الخبرة في إنجاز الاعمال الفنية.

– اتهام رفيق الحريري بأنّ تملكه لنسبة 9% من أسهم شركة إعادة إعمار وسط بيروت كان اتهاماً باهتاً لأن رفيق الحريري الذي استثمر 180 مليون دولار في ملكية الاسهم حوّلها لتمويل شراء مستشفيات جامعة الحريري جنوبي بيروت التي أصبحت تحظى بسمعة جيدة وهي من معالم منجزات رفيق الحريري. وأخيراً نذكر المفتربين على سمعة رفيق الحريري ان سهم شركة إعادة بناء وسط بيروت ارتفع من 10 دولارات بعد الاصدار الى 80 دولاراً حالياً وهو ارتفاع لم يشهده سهم أي شركة عقارية في لبنان.

مروان اسكندر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.