إملأ الفراغ بالموازنة المناسبة

117

بقلم د. طالب سعد

(باحث في الاقتصاد السياسي والاجتماعي)

لا عجب إن وُصِفَت الدولة اللبنانية الحالية بجسد متحرك اصطناعياً، فارغ من مضمونه العقلي والفكري، معطل من جميع حواسه، جهازه العصبي خارج عن الخدمة، وبالتالي تفتقد بقايا هذه الدولة للرؤية والفكر والمسؤولية بشكل كلي حيث تتجلى صورها عند كل استحقاق دستورياً كان أم قضائياً، واقتصادياً أم مالياً، وأخيرها وليس آخرها كان بالأمس عندما أقر المعنيون «بعجز عددي داخل المجلس النيابي يصل لأقل من نصف النواب» موازنة تصريف للأعمال، خارقة بها للدستور في توقيتها، ضاربة بعرض الحائط الغرض من وجودها، عاكسة بشكل واضح انفصامها السياسي عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي، معلنة دون إعلان أنها منظومة سياسية لا تفقه بعلوم المال والأعمال، خاصة الشرعية والمنتجة منها، ولا تدري أن التضخم في تفاقم مستمر، وأن الليرة تحتضر كما الإنسان في دولة انعدمت فيها كل أوجه المسؤولية بشكل كامل وصريح حتى وإن في تصريحات مسؤوليها التي ماعادت تملأ فراغ الأسطر بنصوص الوعود والنفاق والتعزية.

«إملأ الفراغ بالموازنة المناسبة».. هو أفضل ما يمكن وصفه لواقع الحال اللبناني، والذي لا يمكن تفسيره إلا بالعجز الكامل والشامل، والفراغ المسيطر على كل شيئ داخل هذا النظام، حتى وإن كانت تشغله المراكز والمناصب، فالنتيجة والحكم النهائي يأتي من واقع الناس الاجتماعي وفقرهم وتردي أحوالهم، يأتي من رغبتهم الجامحة للهجرة المحجوبة جوازاتها عنهم في الجو والبر، والمتروكة لتجار الموت في البحر.

إنها المأساة اللبنانية المتجددة والمتروكة للقدر، فأسقطوا عليها ورقة بمجموعة من الأرقام والجداول لا علاقة لها لا اجتماعياً ولا اقتصادياً، بواقع أكبر أزمة مالية واقتصادية بتاريخ لبنان تحت اسم «موازنة».

أُقِرّت الموازنة، وروائح العجز البنيوي تفوح من كل بنودها، واعدةً بمزيدٍ من التضخم والانكماش، مؤكدةً على ركودٍ اقتصادي لن ينهض قريباً، ونمو اقتصادي مرجو غير وارد حالياً، وتحسن مستحيل بقوة شرائية لن تحصدها كل زيادات الاجور المشار إليها، والتي ستزيد من وهم المال المتردي والخاوي من أي فعالية أو قيمة، مدججة بسعر صرف سابع للدولار الأميركي مقابل الليرة يبلغ 15000 ليرة تحت بدعة ما يسمى الدولار الجمركي، لتصبح الموازنة متناقضة الهدف والمضمون وذلك كمن يفسر الماء بالماء.

الموازنة التي تأخرت 9 أشهر عن السنة الحالية، كان من المفترض أن يتم إقرارها قبل بدأ العام الحالي وليس على مشارف نهايته، إذ أن طبيعتها وصفتها التقديرية لعام مقبل، تكاد أن تنتفي مع نهاية العام وإنفاق ما تم إنفاقه، حيث كان من المفترض لها أن تعكس خطة الحكومة ورؤيتها في كيفية تمويل حاجاتها وتيسير نفقاتها وسبل تعزيز إيراداتها.

بكل الاحوال لم تكلف الجهات المعنية نفسها جهد البحث عن واردات غير ضريبية، لتكون ناتجة عن حركة ونشاط الاقتصاد المنتج وقدرته على التصدير وجذب العملة الأجنبية، كما وتعزيز قدرات القوى الاستثمارية التي تعتبر المساهم الأول في رفد الناتج المحلي وتكبير حجمه وذلك على حساب الدين العام. فاعتمدت أقصر الطرق، أسهلها، وأفشلها، في إدارة الشأن العام وإسكات من يجب إسكاتهم من موظفي القطاع العام على قاعدة شبيهة لتلك التي حصلت عام 2017 تحت مسمى سلسة الرتب والرواتب، ولكن بمسميات جديدة لن تختلف في انعكاساتها ونتائجها النهائية عن نتائج موازنة العام 2017 التي أظهرت منحى ومؤشر سلبي واضح للنمو الاقتصادي في العام  2018 بلغ 1.5% – ، راسماً منذ ذلك الوقت منحناه السلبي المستمر حيث تزادد شدته عاماً بعد عام.

أضف إلى ذلك أن المشروع المالي للدولة المأزومة مالياً واقتصادياً، لم يلحظ أي إشارة إلى الاصلاحات المطلوبة من جهة صندوق النقد الدولي أو لجهة الأصول العلمية والأخلاقية لمعالجة الأزمة المحلية، إلا من خلال بعض النصوص الكلامية، والتي تبدو أنها لزوم ما يلزم، تاركة أزمة الكهرباء على مسرح السلف من خارج الموازنة، راسمة عجزاً رقمياً يصل لحدود ال 11ألف مليار ليرة بين وارداتها ونفاقاتها.

إنتهى هم إقرار الموازنة ولو شكلياً بالنسبة للسلطة السياسية، فها هو الرئيس ميشال عون يضع توقيعه عليها مبرءاً ذمته لجهة إنهاء عهده بموازنة رسمية للعام المنتهي الصلاحية، وكذلك بالنسبة لباقي الرؤساء والنواب والحكومة.

رسمياً الجميع قام بالمهمة وانتهى البيان، وستأخذ الحكاية من حديث الناس ووسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي بضع أيام ينتهي معها الحديث عنها والتقييم والاعتراض والتأييد والتفسير، وستغفوا الناس على أحداث أخرى مستجدة، ويأتي اليوم القريب الذي ستحصد فيه الناس نتائج تلك الموازنة، كما غيرها من الموازنات والسياسات والقرارات التي لا تخسر منها السلطة السياسية أي شيئ، بل يدفع ثمنها أجيال لاحقة دون أن يدري أحد تبعات القرارات الفاشلة والمجردة من أي عدالة أو رحمة أو أمل بمستقبل أفضل مع تلك المنظومة المستبدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.