الأزمة اللبنانية – انهيار دولة أم فرصة لإعادة البناء؟ – 2
بقلم اللواء الدكتور عبداللطيف بن محمد الحميدان
والشرط الثاني هو العدالة والمحاسبة لأن انفجار مرفأ بيروت ليس مجرد حادث بل لحظة تأسيسية في الوعي اللبناني الحديث، وإذا ترك ملف بهذا الحجم بلا محاسبة واضحة وبمحاولات مستمرة لتطويق التحقيق وتغيير المحققين، ثم يكتفى ببعض التوقيفات الخارجية أو التحقيقات الشكلية، يعني عمليا أن رسالة النظام لمواطنيه هي لا عدالة فوق السياسيين، وفي المقابل أي مسار جدي لإعادة البناء يجب أن يبدأ من ترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون وأن حقوق الضحايا ليست ورقة تفاوض إذا لم تتحول قضية المرفأ إلى نموذج لعدالة انتقالية حقيقية، فستبقى جرحا مفتوحا ينزف ثقة ويضعف شرعية أي مشروع لإعادة الإعمار.
والشرط الثالث هو إعادة تعريف العلاقة بين السلاح والدولة، نظرا لأن الحرب الأخيرة مع إسرائيل أظهرت مرة أخرى أن قرار السلم والحرب لا يزال خارج المؤسسات الرسمية إلى حد كبير، وأن أي مفاوضات لإعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات ستظل رهينة سؤال أساسي، من يقرر الحرب وهل يمكن الاستثمار في بلد قد يستيقظ على تصعيد عسكري جديد في أي لحظة؟ ولهذا المجتمع الدولي يربط اليوم بشكل واضح بين ضخ أموال الإعمار وبين تطبيق قرارات دولية تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة وضبط الحدود، وإذا ظل هذا الملف يدور في حلقة الوفاق المستحيل بين حزب الله وباقي القوى فلن يكون ممكنا بناء دولة مستقرة بل إدارة توازن هش فوق برميل بارود.
والشرط الرابع هو صياغة عقد اجتماعي جديد يتجاوز المحاصصة الطائفية بوصفها القاعدة الوحيدة لتوزيع السلطة والموارد، ولا يعني ذلك بالضرورة نسف النظام من أساسه في ليلة واحدة، لكنه يعني نقل مركز الثقل تدريجيا من تمثيل الطوائف إلى تمثيل المواطنين، ويمكن أن يبدأ هذا المسار عبر قانون انتخابي مختلف وعبر تعزيز اللامركزية الإدارية والمالية وإصلاح القضاء وإعادة هيكلة الإدارة العامة على أساس الكفاءة لا الانتماء، لأن الأزمة الراهنة كشفت أن النظام الطائفي لا يحمي الجماعات كما يفترض، بل يحمي نخبة ضيقة تستثمر في خوف الجماعات بعضها من بعض.
وعلى الجانب الآخر من الصورة، ثمة مؤشرات وإن كانت خجولة على إمكانية تحويل الأزمة إلى مسار مختلف، وهي حيوية المجتمع المدني والمبادرات المحلية لإعادة الإعمار والدور المتزايد لبعض البلديات في تقديم الخدمات في ظل تراجع الدولة المركزية وانخراط الجاليات اللبنانية في الخارج في دعم مشاريع إنمائية وتعليمية وصحية عبر قنوات بديلة عن الدولة، وهذه كلها عناصر لبنان التاريخي بلد المجتمع الحي الذي يتجاوز دوما هشاشة الدولة لكنها مرة أخرى قد تتحول إلى بديل عن الدولة لا رافعة للدولة إذا لم تحتضن في إطار رؤية عامة.
والاقتصاد بدوره يمكن أن يكون مدخلا لإعادة البناء للأزمة العميقة التي أظهرت هشاشة نموذج الاقتصاد القائم على المصارف والريوع والخدمات غير الإنتاجية، في المقابل توفر إعادة الإعمار من الجنوب إلى مرفأ بيروت إلى البنية التحتية المدمرة فرصة لإعادة توجيه الاقتصاد نحو قطاعات إنتاجية الزراعة، الصناعة الخفيفة، اقتصاد المعرفة، الطاقة المتجددة، وإعادة تأهيل المرافئ والمطارات بما ينسجم مع موقع لبنان الجغرافي، ولكن هذا يتطلب سياسة صناعية وزراعية ومالية واضحة لا مجرد الشعارات حول تحويل لبنان إلى منصة إقليمية.
وفي هذا السياق يبرز أيضا دور الشركاء الدوليين، البنك الدولي، صندوق النقد، الاتحاد الأوروبي، الدول العربية والخليجية، وربما الصين وغيرها، وهؤلاء جميعا يدرسون اليوم كيفية الانخراط في إعادة إعمار لبنان لكنهم باتوا أقل استعدادا لتكرار نموذج الشيك المفتوح بلا إصلاحات كمؤتمرات باريس السابقة، ولهذا فإن المساعدات اليوم مشروطة بإعادة هيكلة الدين وإصلاح القطاع المصرفي ومكافحة الفساد وتوحيد سعر الصرف وإصلاح قطاع الكهرباء وتعزيز الحوكمة، وهذه الشرطية قد تقرأ بوصفها انتقاصا من السيادة، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تكون فرصة لفرض إصلاحات كانت قوى داخلية عاجزة عن تمريرها من دون غطاء خارجي، والسؤال: هل ستستثمر هذه الضغوط لمصلحة بناء دولة حديثة أم ستستخدم ذريعة لتبرير مزيد من التقشف على الفئات الأضعف؟
وفي العمق فإن الأزمة اللبنانية ليست قصة أرقام فقط بل أيضا قصة معنى، معنى أن تكون مواطنا في دولة لا تؤمن لك أبسط حقوقك، معنى أن تستمر النخب نفسها في الحكم رغم فشلها المتكرر، معنى أن يرى جيل كامل مستقبله في الهجرة لا في الإصلاح، وهنا يصبح إعادة البناء مفهوما يتجاوز الإسمنت والحديد إلى إعادة بناء الثقة، ثقة المواطن بالدولة وثقة الدولة بنفسها وثقة العالم بلبنان، من دون هذه الثقة ستظل كل خطة إعادة إعمار مهددة بالانقلاب عليها عند أول أزمة جديدة.
إذن هل نحن أمام انهيار دولة أم أمام فرصة لإعادة بنائها؟ الجواب الواقعي أن لبنان يقف على الحافة بين الخيارين، كل العناصر الموضوعية لانهيار عميق وممتد موجودة، لأن هناك اقتصادا منكشفا ونخبا غير مستعدة للتنازل وسلاحا خارج الدولة وانقسامات طائفية حادة ومحيطا إقليميا مضطربا، وفي المقابل ثمة عناصر صمود لا تزال فاعلة، وهو مجتمع نابض وموقع جغرافي مهم وشبكة اغتراب واسعة ونافذة دولية، والدعم المترافق مع الإصلاحات.
والفرق بين أن تتحول الأزمة إلى انهيار نهائي أو إلى لحظة تأسيس جديدة لن تصنعه المؤتمرات الدولية ولا التقارير الاقتصادية فحسب، بل سيصنعه أساسا ميزان القوى داخل لبنان بين من يريد استعادة النظام القديم مع بعض التعديلات الشكلية، ومن يرى أن الفرصة الوحيدة للنجاة تكمن في شجاعة الذهاب إلى عمق المشكلة الذي هو نظام سياسي طائفي يحتاج إلى إعادة تعريف، واقتصاد ريعي يحتاج إلى قلب الأولويات، وعدالة غائبة تحتاج إلى أن تصبح نقطة البداية لا التفصيل.
لهذا لبنان اليوم ليس ضحية قدر جغرافي محتوم بل ضحية خيارات، وإذا كان الانهيار نتيجة خيارات متعمدة فإن الخروج منه أيضا لن يكون صدفة بل يحتاج إلى قرارات جريئة بالاتجاه المعاكس، عندها فقط يمكن القول إن هذه الكارثة كانت رغم فداحتها فرصة لإعادة البناء لا مجرد محطة أخرى في مسلسل طويل من الانحدار.
اللواء الدكتور عبداللطيف
بن محمد الحميدان
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.