الإعلامية نادين كفوري: ستصل نتائج الثورة إلى كراسي الحكام الفاسدين لتلحق بهم العقاب القانوني المناسب

27

الإعلامية نادين كفوري التي تطل عبر نشرات أخبار تلفزيون MTV، أبدت رأيها في الكثير من الأمور حول ثورة 17 تشرين ،وحول الإنجازات التي حققتها، وقالت إن البعض يصعب عليه سماع صوت وسائل إعلامية غير خاضعة لتوجيهات سياسية حزبية محددة، وذلك لأنهم لم يحرروا أنفسهم حتى اليوم من الخضوع السياسي، وبرأيها النظام اللبناني هو الأفضل في المنطقة العربية، لأنه يرتكز على مبدأ الديموقراطية، لكن الدستور اللبناني موضوع على الرف. مع نادين هذه المقابلة:

*هناك الكثير من الضغط اليوم على مذيعي نشرات الأخبار والمراسلين على الأرض، ما رأيك بالإتهامات التي توجه إلى الإعلام من بعض الأفواه؟

-من الناحية التقنية يتعرض جميع الزملاء العاملين في وسائل الإعلام في الوقت الحالي إلى ضغط العمل المتواصل، بفعل التغطيات المباشرة للثورة منذ 17 تشرين الأول، من الناحية السياسية للأسف يتم التعاطي مع الإعلاميين في بعض الشوارع على أنهم جزء من سياسة معينة، ويأتي ذلك في كثير من الأحيان في إطار الأحكام المسبقة. يصعب على البعض الاقتناع بان هناك أناس أحرار يعملون في الشأن الإعلامي ويهتمون أولا للقضايا الإنسانية المحقة، كما يصعب عليه سماع صوت وسائل إعلامية غير خاضعة لتوجيهات سياسية حزبية محددة، وذلك لأنهم لم يحرروا أنفسهم حتى اليوم من الخضوع السياسي. وبالتالي فإن رسالة الإعلام الأساسية هي إيصال كلمة الناس خصوصا المظلومين منهم، وبالتالي الوقوف إلى جانب الناس أمر طبيعي، ويأتي في إطار جوهر العمل الصحافي.

*إلى أي مدى يستطيع الإعلامي أن يكون حيادياً في تعاطيه مع أمور الثورة؟

– من واجب الإعلامي أن يكون حيادياً في ما يتعلق بوجهات النظر السياسية، إلا أنه من واجب الإعلامي أيضاً الوقوف إلى جانب الناس في معاناتهم ومطالبهم، خصوصا إذا كانت محقة وتندرج في إطار واجبات الدولة. كذلك في ما يتعلق في مواضيع الفساد، تأتي الإضاءة على هذه الملفات، في صلب العمل الصحافي وأحد أبرز أسسه، وبالتالي من غير الممكن أن يكون الصحافي حيادياً في ملفات الفساد والقمع والظلم وتقصير الدولة، وعليه أن يضيء على هذه المشاكل من أجل السعي إلى حلها أو معالجتها من قبل الجهات المعنية.

*كيف تطور مسار الثورة بعد مرور أكثر من 40 يوماً على إنطلاقها؟

-الثورة الشعبية التي بدأت في 17 تشرين الأول وبشكل عفوي، أظهرت حتى اليوم مدى صلابتها وصدقيتها، وهي حققت حتى اليوم انجازات كبيرة أبرزها كسر حاجز الخوف بين اللبنانيين وعودة اللحمة في ما بينهم، كذلك كسرت حاجز الخوف مع الطبقة السياسية، وبات كل سياسي تحت مجهر المحاسبة بعيدا عن الواقع الطائفي، كذلك أظهرت أن الشباب اللبناني بعيد كل البعد عن الاقتتال وخيار الحرب. وأهم ما حصل هو أن الثورة أصبحت في العقل والقلب، ولا أحد يمكن أن يلغيها. الشعب ثار على واقعه المزري، ولا يمكن أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء. الثورة اليوم في مرحلة إرساء مفهوم جديد في الحياة السياسية، قائم على الخدمة العامة واحترام الأموال العامة، بعيداً عن المحاصصات السياسية والحزبية، وبما أن الشعب هو مصدر السلطات فلا بد أن يتحقق الأمر بطريقة أو بأخرى.

*توحد اللبنانيون في الثورة، برأيك ما هو الخطر الأكبر عليها؟

– الثورة خلقت مفهوما جديدا للمواطنة وتحول الانتماء لدى اللبنانيين، من الإنتماء المناطقي إلى الانتماء للوطن، ورغم كل ما قيل بحق هذه الثورة، لا بد أن نؤكد أن الصورة العامة تظهر شعبا متضامنا موحداً من شماله إلى جنوبه، حول مطالبة بحياة أفضل. إلا أن البعض  يصر على إظهار بعض المناطق وكأنها لا تزال جزيرة منفصلة عن أرض الوطن، والسبب لا يعود إلى عدم رغبة الناس في العيش معاً، وإنما بسبب تسلط قوى الأمر الواقع في هذه المناطق التي تحاول بكل الطرق الضغط على الناس كي لا يخرجوا من عباءتها، ولا بد أن تكون المعركة الأساس هي تحرير الناس من تسلط أي فريق كان في أي بقعة من الأراضي اللبنانية، لأن للناس الحرية بقبول أو رفض أي أفكار أو سياسيات أيا كان نوعها.

* هل أنت مع قرار الهجرة من البلد؟

– قرار الهجرة من البلد، يعني بشكل واضح الإستسلام للفساد والتسلط وتسليم الوطن لزمرة من الناس قررت أن تنهب مالنا ومقدرات دولتنا، وأيضاً تعني إعلان فشلنا في بناء وطن يسمح لمواطنيه العيش بكرامة، وتخلينا عن فكرة الوطن الجامع لكل أبنائه. إلا أن في بعض الحالات يضطر الشباب إلى الهجرة، من أجل العمل واكتساب خبرات مهنية معينة غير موجودة في وطننا اليوم، لذلك أفهم اضطرارهم إلى الذهاب إلى دول أكثر تطوراً تقدم لهم تقدماً اكبر في إطار اختصاصاتهم، إلا أننا ننتظر دائما عودتهم إلى الوطن، لإغناء لبنان بما اكتسبوه من خبرات في الخارج.

*في مراقبة لمواقع التواصل الإجتماعي، نلاحظ احتكاكات وقلة تهذيب في التعاطي، كم ذلك خطر على البلد؟ وكيف يمكن التوصل إلى احترام الرأي الآخر؟

– الإحتكاكات على مواقع التواصل الإجتماعي أمر طبيعي، خصوصاً في المراحل المفصلية في البلد، فلكل شخص الحرية في التعبير عن رأيه بالطريقة التي يراها مناسبة، ولا قيود على مواقع التواصل الإجتماعي، ومن هذه الحرية أيضاً نما شعور الثورة. ولكن ما نراه من تهديدات متبادلة على هذه المواقع، إنما هو ناتج عن شعور البعض بفائض من القوة، يستمدها ممن ينتمي إليهم من سياسيين أقنعوه أنه يمكن تدجين أو إخضاع أي شخص على الأراضي اللبنانية، الأمر الذي لم يعد ممكنا اليوم بفضل الحرية التي استمدها اللبنانيون من بعضهم البعض في ساحات الثورة، وبالتالي أفضل طريقة لمحاربة ذلك، هو دعم المواقف على مواقع التواصل الإجتماعي بالصور والبراهين، والتمسك بلغة المنطق والإبتعاد عن المس بكرامات الطوائف والناس.

* اليوم تتم المطالبة بتغيير النظام، برأيك أي نظام هو الأنسب في بلد مثل لبنان خصوصا مع ارتباطه بالخارج؟

– المطالبة بإسقاط النظام هي مطالبة بتطبيق الدستور اللبناني لأنه موضوع على الرف، وسأشرح باختصار أي نظام يريد الشعب اللبناني إسقاطه، النظام اللبناني هو الأفضل في المنطقة العربية ويرتكز على مبدأ الديموقراطية، وانبثاق السلطة من الشعب مباشرة، من خلال انتخابات المجلس النيابي الذي ينتخب بدوره رئيس جمهورية الذي يملك الصلاحية لتكليف رئيس حكومة بالتشاور مع المجلس النيابي، وبالتالي احترام النظام اللبناني واحترام الدستور بكل حذافيره، هو كاف لنعيش بكرامة في لبنان وبإطار ديموقراطي مميز، مع الأخذ بعين الإعتبار وجوب التخلص من الطائفية السياسية التي تسمح في كثير من الأحيان بتعطيل عمل المؤسسات والدولة، أما ما سمعناه خلال الثورة من الدعوة «لإسقاط النظام»، إنما كان بالفعل المقصود منه إسقاط نظام سياسي تم إرساؤه من خارج الأطر الدستورية، ومن خلال ممارسة هذه السلطة لبدع وفزلكات لا دخل لها بالإطار الدستوري، هذا النظام عُرف بنظام التوافق المُسبق على كل المواقع والمناصب، خلافا لما ينص عليه الدستور من آليات، ما جعل نظامنا أشبه بنظام عشائر تتفق على تقاسم النفوذ، ما دفع الشعب للانتفاض بوجه هذا الرديف للنظام الذي عليه الدستور اللبناني.

*إلى أين ستصل الأمور إذا بقيت الأوضاع على ما هي عليه؟

– الثورة أصبحت واقعاً ولا يمكن محوها من القلوب والعقول، ولا بد أن تخضع السلطة الحاكمة لمطالب الشعب، لأن الدولة ليست ملكاً خاصاً  لمجموعة من السياسيين، وإنما هي ملك الشعب أجمع، وهو الممول الأول لها، وبالتالي على قدر ما يتمسك الناس بمطالبهم المحقة، على قدر ما تكون النتيجة جميلة، وعلى قدر ما يتمسكون بسلمية تحركاتهم ورفضهم لخلق إشكالات في ما بينهم، على ما قدر ما ستصل نتائج الثورة إلى كراسي الحكام الفاسدين، لتلحق بهم العقاب القانوني المناسب، لكن لا يمكن أن ننسى أن في لبنان قوى على الأرض غير القوى الشرعية والسلطة الحاكمة الفاسدة، ارتضت لنفسها أن تكون رهينة لقوى عسكرية غير شرعية متحكمة بمفاصل الدولة، وبالتالي التحدي كبير، لكن الثورة يمكن أن تكون كنقطة المياه التي يمكنها بالمثابرة أن تخرق الصخر.

*ما رأيك بالتدهور الإقتصادي الحاصل؟ وهل من إمكانية لتخطي هذه المرحلة الصعبة؟

– يمر الإقتصاد اللبناني بأصعب مرحلة منذ الحرب اللبنانية،وهو بحسب كل المعطيات والأرقام على شفير الإنهيار الشامل، وأمام هذا الواقع لابد من عملية نهوض وإنقاذ شامل، وأعتقد أننا نستطيع أن نحقق ذلك على صعوبته لأن الطاقات البشرية والإرادة الوطنية موجودة، لكنها غائبة عند السياسيين الحاليين في السلطة، أولى تلك الخطوات لا بد أن تكون الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد من خلال سن القوانين المناسبة، والإنتقال من الإقتصاد الريعي إلى الإقتصاد المنتج، وتحصين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال  الأنظمة الضريبية، ما يحفز على الإستثمار، توسيع الإستثمار في الإقتصاد الرقمي أو المعرفة لأنه المستقبل، إضافة إلى تغيير الطبقة السياسية الحاكمة في السلطة وإعطاء الفرصة للطاقات والكفاءات اللبنانية الجديدة. خلاصة وكما يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: «محكوم على الإنسان أن يكون حراً»، وبالتالي الثورة التي انطلقت هي ثورة على الذات ،وعلى منطق الممارسة السياسية الذاتية، بقدر ما هي ثورة على النظام «المافيوقراطي» الذي تم إرساؤه خلال 30 سنة خلت، ولكي لا نكون جزءا منه،لا بد أن تؤدي الثورة إلى تحرر الناس من تبعياتهم الضيقة ،للوصول إلى مواطن قادر على محاسبة مسؤوليه في صناديق الاقتراع أولا وبكل حرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.