الإنقاذ المالي يحتاج تدقيقاً «شاملاً» وإعادةَ لبنان الى الحضن العربي

12

خصّص رئيس الجمهورية ميشال عون كلمة وجهها الى اللبنانيين اول امس، للحديث عن التدقيق الجنائي وأهمّيته ومخاطر تعطيله. فيما الهموم المعيشية والاقتصادية والمالية تتلف أعصابهم وحوّلت حياتهم جحيما حقيقيا- تماما كما أبلغهم قبل اشهر الرئيسُ عون نفسه- وفيما يعتبر المجتمع الدولي العربي والغربي والاوروبي والاممي والفاتيكاني، ومعه بكركي والشعب في معظمه، ان باب الخروج من جهنّم هذه، مفتاحُه «تأليف حكومة اختصاصيين سريعا»، ارتأى رئيس الجمهورية القفزَ فوق الاولوية الملحّة تلك، ووضعَ التدقيق في رأس لائحة مهامه واهتماماته للمرحلة المقبلة، لافتا الى ان من دونه، لن تكون مبادرة فرنسية ولا حكومة ولا استرجاع لودائع اللبنانيين.

وبحسب ما تقول مصادر سياسية معارضة لـ»المركزية»، فان بعبدا محقّة في مطالبتها بالتدقيق الجنائي، الا انها للأسف، تبدو، ولا سيما من حيث توقيت موقف عون التصعيدي، تريد استخدامَه للضغط على الرئيس المكلف سعد الحريري عبر «ورقة» مصرف لبنان وحاكمه رياض سلامة، المقرّب من بيت الوسط، لعلّ زعيم تيار المستقبل، يقرر اعادة التكليف الى اصحابه، امام الرسالة التي وجهها اليه القصر وفحواها «لن تتمكّن من التأليف اذا لم تعتمد أجندتَنا السياسية والاقتصادية والمالية».

ما يعزز هذا الاعتقاد، تتابع المصادر، هو ان رئيس الجمهورية يركّز في شكل خاص على التدقيق الجنائي في «المركزي» وحساباته، الا انه يمرّ عرضا عليه في ما يتعلّق بالوزارات والادارات العامة. وهنا، لا بد من التذكير ان اكبر مسببات العجز في الخزينة اللبنانية، عنوانُه الكهرباء التي كلّفت الدولة 35 مليار دولار خسائر اي ما يعادل نصف الدين العام – مقابل صفر كهرباء – في حين ان وزارة الطاقة تسلّمها التيار الوطني الحر منذ نحو 10 اعوام، وهي لاتزال في عهدة الفريق البرتقالي حتى اليوم.

واذ توضح ان هذه الارقام تكاد تتخطى تلك التي يطالب الفريق الرئاسي بكشف حقائقها وبتحديد مكامن هدرها من قِبل المصرف المركزي، تقول المصادر ان ثمة عاملا آخر ساهم في ايصال لبنان الى الاهتراء الاقتصادي والمالي الذي وصل اليه اليوم يتمثل في موقعه الاستراتيجي «الخاطئ» على الخريطة الاقليمية. فبدل ان «يتلبنن» حزب الله بعد ورقة التفاهم التي وقعها معه التيار الوطني الحر، تمكّن الاول، بعد ايصاله حليفه الرئيس عون الى بعبدا، وبعد تحكّمه ايضا بالاكثرية النيابية في البرلمان،  من جر لبنان الى الحضن الايراني.

هو يتحكّم بقرار الحرب والسلم وبالقرارات الكبرى في البلاد، وزراؤه اليوم يسرعون نحو اعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري الذي لايزال حتى الساعة مقاطعا عربيا، فيما رئيس التيار النائب جبران باسيل خلال توليّه وزارة الخارجية، عارض الاجماع العربي اكثر من مرة وامتنع عن التضامن مع السعودية في وجه الاعتداءات الايرانية عليها. فتحوّلت بيروت ساحة في يد طهران، تُطلق من خلالها الشتائم والاهانات في حق الزعماء العرب والخليجيين، في حين يعزز حزب الله ترسانته العسكرية فيها ويصدّر مقاتليه الى الميادين العربية لاسقاط وإزعاج أنظمتها… فكان ان ابتعد العرب عن بيروت التي لم تعد تشبه نفسها، وحجبوا سياحَهم واموالهم واستثماراتهم عنها، بعدما كانوا عمود اقتصاده الفقري.

الانقاذ المالي يحتاج اذا الى تدقيق، لكنه يتطلب تدقيقا شاملا لا منحازا وجزئيا، ويتطلب ايضا اعادة وصل ما انقطع بين لبنان ومحطيه الحيوي العربي، تختم المصادر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.