الإنهيار الإقتصادي في لبنان «أزمة بنوك» أم سقوط النظام المالي؟
كتب عوني الكعكي:
صدر عن الـ«ImF» (صندوق النقد الدولي) تقرير يضع، كما يقولون، النقاط على الحروف، خصوصاً أنّه يُحمّل مسؤولية الإنهيار المالي بالدرجة الأولى الى الدولة اللبنانية التي كانت تصرف الأموال بدون أي تردّد وبدون حساب.
الأهم أنّ الدولة عندما كانت تستدين من «البنوك» لم تكن مهتمّة بإرجاع الأموال التي استدانتها الى البنك المركزي، والبنك المركزي هنا تعثّر عن السداد للبنوك.
من ناحية ثانية، يوضّح صندوق النقد الدولي أنّ عدم تسديد سندات اليورو بوند هي التي قضت على القطاع المصرفي وتسبّب بالإنهيار المالي.
في عام 1998 بعد خروج الرئيس الشهيد رفيق الحريري من الحكم الذي دام 5 سنوات، هذه المدّة التي أنجز فيها إعادة ما تهدّم في الحرب بدءاً من مطار بيروت الى القصر الجمهوري، والقصر الحكومي، والمدينة الرياضية، والمستشفيات، ومنها مستشفى رفيق الحريري الجامعي الى الجسور والأوتوسترادات ومحططات الكهرباء في البداوي ودير عمار والزهراني وصور وبعلبك، كل هذا كلّف الدولة اللبنانية كما قال الشهيد 5 مليارات دولارات، وقد قال الشهيد يومذاك: «ذهبت الى الرئيس إميل لحود وقلت له لا تخف، عندي مشروع أستطيع أن أسدّد من خلاله كل الديون وهو إنشاء شركة «موبايل» ثالثة نبيعها على طريقة B.o.T ونحصل على 5 مليارات نسدّد بها جميع الديون.
وللأسف، فإنّ الرئيس لحود بسلبيته قال للحريري: «هذا المشروع أنت المستفيد الأوّل منه». فأجابه الشهيد: «انسَ الموضوع».
ومنذ ذلك الحين بدأت الدولة تستدين، أحياناً من أجل الكهرباء وأحياناً من أجل الرواتب. وفي كثير من الأوقات للدعم… كل هذه الديون كانت سُلَفاً من البنك المركزي، ولكن المصيبة لم يكن مسؤول واحد يفكّر كيف نسدّد الديون. لذلك وقع الإنهيار المالي بدءاً من عدم تسديد سندات اليورو بوند الذي وضع لبنان في مصاف الدول المتعثّرة مالياً.
منذ اندلاع الانهيار المالي والنقدي في لبنان عام 2019، حاولت أطراف سياسية ومالية متعددة الهروب من توصيف الأزمة بحقيقتها الكاملة. فبدلاً من الاعتراف بأنها أزمة “نظامية شاملة” أصابت بنية الدولة المالية والنقدية برمتها، جرى تسويقها أحياناً كأزمة مصارف فقط، أو كأزمة ديون سيادية، أو حتى كأزمة مرتبطة حصراً بمصرف لبنان. إلا أن الوقائع التي تكشفت تباعاً، وصولاً إلى موقف صندوق النقد الدولي نفسه، أكدت أن لبنان شهد انهياراً شاملاً لمنظومة مالية كاملة شاركت جميع مكوناتها في إنتاج الكارثة.
فعلى مدى سنوات، اعتمدت الدولة اللبنانية على الإنفاق المزمن من دون موارد حقيقية، ممولةً عجزها المتراكم عبر الاستدانة المستمرة. وفي قلب هذه المنظومة، لعب مصرف لبنان دور المهندس المالي الذي أعاد تدوير السيولة عبر شهادات الإيداع والهندسات المالية وآليات تمويل الدولة، فيما اندفعت المصارف التجارية إلى توظيف ودائع اللبنانيين في سندات الخزينة واليوروبوندز وأدوات المصرف المركزي، مدفوعةً بعوائد مرتفعة ووهم الاستقرار الدائم.
كان الجميع شريكاً في «الوليمة المالية»، ولذلك كان الجميع حاضراً أيضاً عند لحظة الانهيار.
ومع تعثر الدولة اللبنانية عن سداد سندات اليوروبوند، بدأت حلقات السقوط المتتالية. الدولة تخلفت عن التزاماتها، ومصرف لبنان جمّد ودائع المصارف التجارية وعجز عن الإيفاء بالتزاماته، فيما وجدت المصارف نفسها عاجزة عن إعادة أموال المودعين أو السماح لهم بالوصول الحر إلى حساباتهم. وهكذا انهارت السلسلة بأكملها لأن جميع حلقاتها كانت مرتبطة ببنية مالية واحدة فقدت قدرتها على الاستمرار.
ورغم وضوح هذا الواقع، برز منذ الأيام الأولى للانهيار تيار سياسي وإعلامي حاول مهاجمة توصيف الأزمة بأنها «أزمة نظامية». واعتبر أصحاب هذا الطرح أن استخدام هذا الوصف يهدف إلى تبرئة المصارف من المسؤولية، في مقاربة وُصفت بأنها مضللة فكرياً، لأن توصيف الأزمة كنظامية لا يلغي مسؤولية المصارف، بل يوسّع دائرة الاتهام لتشمل الدولة، والمصرف المركزي، والسلطات الرقابية، وصناع القرار السياسي والمالي الذين شاركوا جميعاً في بناء النموذج الذي انهار.
وفي ذروة محاولات التهرب من هذا التوصيف، ظهرت مشاريع قوانين استخدمت تعابير بديلة مثل «الأزمة الشاملة» أو «الأزمة الجماعية»، متجنبة عمداً مصطلح «الأزمة النظامية»، في محاولة بدت أقرب إلى المناورات اللغوية منها إلى المعالجة الواقعية لطبيعة الانهيار.
لكن المفارقة الأبرز جاءت مع استمرار مصرف لبنان نفسه، بما في ذلك في عهد حاكمه الجديد، باستخدام توصيف «الأزمة النظامية» في الخطابات والتقارير والمراسلات الرسمية، ما عكس استحالة إنكار طبيعة ما جرى مهما تعددت الحملات السياسية والإعلامية.
أما الضربة الأكثر إحراجاً للرافضين لهذا التوصيف، فجاءت من صندوق النقد الدولي نفسه، الذي اعتمد رسمياً وصف الانهيار اللبناني بأنه «أزمة نظامية». المؤسسة الدولية التي استخدمها كثيرون كمرجعية لتبرير مواقفهم، انتهت إلى تثبيت التوصيف ذاته الذي حاربوه لسنوات.
وبذلك، لم يعد النقاش يدور حول طبيعة الكارثة، بل حول حجم المسؤوليات وكيفية توزيع الخسائر ومسارات المعالجة الممكنة. أما حقيقة أن النظام المالي اللبناني انهار كنظام متكامل بسبب مشاركة جميع مكوناته في إنتاج الأزمة، فأصبحت أمراً يصعب إنكاره أو التلاعب به بالمصطلحات السياسية والإعلامية.
فالواقع، كما أثبتت السنوات الماضية، لا تغيّره المناورات اللغوية، تماماً كما أن تغيير اسم المرض لا يؤدي إلى شفائه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.