الإنهيار الاقتصادي والمعيشي «يهشّل» الجسم الطبي والتمريضي الى الخارج: 2000 من الطواقم غادروا لبنان… والحبل على الجرّار

68

كتبت ريتا شمعون:

من فضلكم أنقذوا القطاع الطبي والتمریضي في لبنان… ربما یكون النداء الأخیر بعدما أرهقته تداعیات الإنھیار المالي المتسارع والضغط المتواصل منذ بدء تفشي «كورونا» ثم الانفجار في مرفأ بيروت.

الطاقم الطبي لم یكن أبدا على الشرفة متفرجا أو متأملا، لم یكن یدرك أن كل ما حلم به في عقله وقلبه من أجل لبنان قد خسره مرارا بسبب الإنھیار المجتمعي الحاصل الحامل كافة أنواع الإنفجارات من الإقتصادي الى الإجتماعي الى السیاسي الى الأمني مع الكلفة الباھظة التي یدفع ثمنھا المواطن اللبناني والطبیب اللبناني والممرضة اللبنانیة والممرض اللبناني وحالة مستمر منذ 17 تشرین بما یجرد البلد من كوادر مشھود بخبراتھا ومستواھا العلمي.

وبمعزل عن التعقیدات التي تحیط بالمشھد السیاسي الذي لا یبشر حتى الساعة بقرب تشكیل الحكومة تتسارع التطورات على مستوى القطاع الطبي سواء من ناحیة ھجرة الأطباء أو من ناحیة ھجرة الممرضات/ین ورغم الصرخة المدویة التي انطلقت منذ أشھر من نقیب الأطباء في لبنان الدكتور شرف أبو شرف لتعدیل التعرفة التي تعتبر السبب الأساس لھجرتھم ونقیبة الممرضات والممرضین في لبنان الدكتورة میرنا ضومط لضرورة تصحیح رواتب الممرضات/ین تبعا لزیادة غلاء المعیشة خصوصا أن بعضھن یواجھنّ كورونا بملیون لیرة لبنانیة شھریا!.

النقيب أبو شرف أكّد لـ»الشرق» أن حوالى 1000 طبیب رحلوا عن لبنان منذ 17 تشرین 2019 حتى الآن أي منذ تفاقم الأزمة الإقتصادیة التي عصفت بلبنان فدفعت أطباءه للبحث عن مكان آخر منھم 100 طبیب من مستشفى الجامعة الأمیركیة حیث وصلت نسبة ھجرة الأطباء الى حوالى 49 % وھو رقم مخیف جدا.

أما كیف تراكمت الأزمة، فیقول أبو شرف، ان تداعیات انفجار بیروت المدمر مازالت تؤثر على المستشفیات المتضررة جرّاء الإنفجار فاضطرت الى إغلاق بعض أقسامھا «بالرغم من المساعدات التي تدفقت الى لبنان» كما قلّصت من طاقتھا الإستیعابیة واستغنت عن بعض طواقمھا الطبیة مضیفا انه رغم إصلاح معظم المساكن التي تضررّت إلا أن ھناك عددا من العیادات الطبیة لم یتم ترمیمھا بعد، رغم رغبة أصحابھا (أي الأطباء) في ذلك فضلا عن أن أموال الأطباء أصلا محتجزة في المصارف رغم معرفة أصحاب المصارف بالواقع الصعب.

وتابع ان «الأزمة الإقتصادیة التي لا تبشر بالخیر زادتھا سوءا جائحة كورونا والإقفال العام وخسارة ما لا یقل عن 38 طبیباً بعد إصابتھم بوباء كورونا مضیفا: «أكثر ما یحتاج الیه الطبیب الیوم وھو الجندي المقاوم بوجه الوباء أن یحمي عائلته في معركته مع الفیروس، فمن المعیب أن یتجاھل مجلس النواب مشاریع القوانین التي طالبت النقابة بإقرارھا من إقتراح قانون حصانة الطبیب وتوقیف وتجریم كل من یعتدي على طبیب» مشیرا الى «أن الواسطة تتدخل دائما للإفراج عن الموقوف الذي یعتدي على الطبیب» الى إقتراح قانون إعتبار الطبیب المتوفي أثناء معالجته بوباء كورونا شھید الواجب متمنیا أن تعي السلطة السیاسیة خطورة هجرة الأطباء من أصحاب الإختصاص والكفاءات العالیة الذین یغادرون لبنان الى مراكز إستشفائیة علمیة تفتح لھم ذراعیھا بما یلیق بخبرتھم العلمیة وبقدراتهم ومشیرا لبنان. الى أن ھجرتهم ستسبب فراغا كبیرا ینعكس سلبا على الدور الریادي للقطاع الصحي في لبنان.

وعليه لم يعد لبنان «مستشفى الشرق» وفق ما أكد أبو شرف لافتا الى أن أزمة كورونا وخفة التعاطي مع الأطباء من قبل المؤسسات الرسمیة المعنیة في أبسط حقوقھم المتعلقة بالحمایة والتجھیزات الوقائیة وضعت الأطباء أمام حالة صحیة صعبة، فبتنا نعاني حتى في بعض المستشفیات الجامعیة من نقص في المعدات والمستلزمات الطبیة والأسرّة خصوصا في العنایة الفائقة ومن عدم القدرة على مساعدة المرضى، تلك عوامل ساعدت في الھجرة أیضاً معتبرا أن ھجرة الأطباء الى دول أمیركا وأوروبا مع عائلاتھم فمن الصعب أن یعودوا الى لبنان.

وتوقف أبو شرف عند التعرفة «الھزیلة» قائلاً: «إن نقابة الأطباء طالبت مرارا برفع التعرفة الرسمیة لأتعاب الأطباء من قبل الجھات الضامنة الرسمیة والخاصة وربطھا بمؤشر غلاء المعیشة واعتماد سعر المنصة الرسمي كحد أدنى لكننا للأسف لم نلق آذانا صاغیة موضحا أن التعرفة الرسمیة لأتعاب الأطباء الیوم توازي وبحسب سعر الصرف الدولار في السوق السوداء 10 دولارات أمیركية أي «ان الطبیب الیوم یعمل مجانا».

وقال: أظھرت الدولة تجاھلا سافرا لصحة الأطباء وسلامتھم سائلاً: «ھل یستطع حتى الآن أي أحد إخبارنا كیف صرفت المساعدات المالیة والعینیة المخصصة للمستشفیات بعد إنفجار آب؟ وھل یستطع أي أحد إخبارنا مدى التقصیر في الكثیر من المیادین الصحیة في المستشفیات الحكومیة التي فضحت جائحة كورونا غیاب التنسیق والفعالیة والفوضى، ولما تشكو دائما من نقص التمویل والإهتمام؟».

وتابع: «في ما عدا ذلك لم یأت ما یصیب القلق من صوب مستشفى الحریري الحكومي إذ تسلّم مساعدات طبیة وإجتماعیة وھبات نقدیة لمواجھة وباء كورونا منوھا بالإجراءات الصحیة المتخذة».

واتهم أبو شرف المسؤولین باستھداف القطاعات الخاصة في لبنان من تعلیم وسیاحة وقطاع مصرفي وقطاع صحي مبدیا إنزعاجه من تردّي الوضع الإقتصادي المزري وقال: لم یعد بمقدور أحد تحمل ھذا الضغط النفسي والحیاتي الخانق والصعب فقد وصلنا الى حد الإنھیار».

ورأى أن حصریة اللقاح في وزارة الصحة بما فیها المنصة أثبتت فشلها إذ أظهر التنفیذ على أرض الواقع عیوبا كثیرة من حیث الأداء والتنظیم الذي جاء بطیئا وخلق إنطباعا عاما في القطاع الصحي لناحیة الإهمال به كخط الدفاع الأول في مواجھة كورونا مشیرا الى ان عددا كبیرا من أفراد الطاقم الطبي (یشكلون نسبة 25% ) لم یتمكنوا بعد من الحصول على لقاح ولا على مكان وزمان تلقیه وھذا أمر غیر مقبول علما ان النقابة تقوم بمراجعة الوزارة مبدیا تفھمھ الشكل. لعامل الضغط على المسؤولین في الوزارة لكن الأمور لا تستطیع أن تكمل سیرھا على ھذا الشكل.

وإذ تتفق نقیبة الممرضات والممرضین مع أبو شرف في مقاربة المشهد الصحي بوقائعه إلا ان ضومط دافعت في حدیثها «الشرق» عن «ملائكة الرحمة» بشدة إذ أعادت جائحة كورونا الإعتبار للممرضات وللممرضین «معنویا فقط» بعدما نالهم الإھمال بسبب معضلات الإقتصاد المتراكمة منذ 17 تشرین 2019 والجدیر بالإحترام أن الممرضات رفعن شعار «العمل كالمعتاد» واستمررن في القیام بدورھن في التمریض والرعایة مشيرة الى ما یعیشه العاملون في مهنة التمریض في الآونة الأخیرة من ظروف إقتصادیة ومعیشیة بسبب إنھیار اللیرة في لبنان إذ خفضت الرواتب الى النصف واكثر وھذا «أمر كارثي».

واستطرادا شرحت ضومط، أن الأزمة الإقتصادیة دفعت عدداً من المستشفیات الى الإستغناء عن عدد من الممرضین/ات على قاعدة عدم قدرتھا على دفع رواتبھم/ن الأمر الذي أدّى الى تخصیص ممرض/ة لكل 10 أشخاص منتقدة أداء بعض المستشفیات في لجوئها الى حجر الخاص حیث یتم حسم فترة الحجر من رواتبهن/م. الممرضین/ت الذین/اللواتي یتم الشك بإمكانیة إصابتھم/ن بوباء كورونا على حسابھم/ن

أما في ما یتعلق بواقع رواتب العاملین في مھنة التمریض فقد أكدت ضومط قیام عدد من المستشفیات بالضغط على الممرضات/ین من أجل التوقیع على معاشات زھیدة أو حسم %20 من رواتبهن/م في بدل مادي لا یتناسب مع ما وصل الیه إنھیار اللیرة اللبنانیة لیصبح متوسط رواتبھم/ن ملیون لیرة فقط أي ما یوازي 90 دولاراً بحسب سعر الصرف وكذلك إعطائھم/ن إجازات سنویة على حسابھم/ن الشخصي تلك عوامل أدّت الى ھجرة أكثر من 1000 ممرض/ة من حملة الشھادات الجامعیة مشیرة الى خطورة ھجرة الممرضات/ین الذین/اللواتي یتفاقم الغضب في نفوسھن/م ویغادرون/ن لبنان الى فرنسا وبلجیكا وإنكلترا وألمانیا وأمیركا وكندا والسعودیة والإمارات والعراق لافتة الى أن الھجرة تشكل ضربة قاسیة للقطاع الطبي في لبنان قائلة: «التمریض ینزف» ومتخوفة من أن یتم إستقدام ممرضات/ین أجانب لاسیما السوریین بلا أي مؤھلات «فھذا إستھزاء بعقولنا».

وأكدت  «اننا كنا قد حذرنا مراراً من أن مھنة التمریض تشكل عصب القطاع الصحي في لبنان وھي الفئة التي تشكل الجیل الأساس الذي تعول علیه المستشفیات في العنایة الطبیة، جلّ ما أطلبه من الممرضات/ین أن یتحركوا سریعا للحفاظ على كرامتھم/ن وحقوقھم/ن قبل فوات الأوان بعدما إتهمتهم بالجبن والهروب من المواجھة «مواجھة أصحاب المستشفیات»وإعلان حالة طوارىء تمریضیة. وجدّدت ضومط مطالبتها باحتساب الرواتب لجمیع العاملین في الرسمیة. التمریض بالقطاع الخاص بمعدل 40 % من الراتب على أساس سعر صرف المنصة.

وأضافت: «أثبتت الدراسات أن المرضى الذین تمّت العنایة بھم من قبل ممرضات/ین ذوي كفاءة عالیة یتعافون بشكل سریع الأمر الذي یؤمن إستقرارا في العمل بالمستشفیات والقدرة على إتخاذ القرارات الملائمة في الحالات الطارئة ما یخفف ھدرا للوقت وللمال» وأضافت: «ما یحصل بحقھم/ن جریمة ھم/ن «سوبر أبطال» في مواجهتهم/ن لوباء كورونا في الوقت الذي بدأت فيه الممرضة حملات التطعيم باللقاح المضاد لفيروس كورونا» متحدثة عن مستوى التوتر الذي تعاني منه جراء العمل الطویل.

وعلّقت ضومط على خطة التطعیم الرسمیة قائلةً: «إن آلیات تلقیح المواطنین ھي مثالیة على الورق فقط إلا أن الوقائع الیومیة من مراكز التلقیح تشیر الى بعض الخروقات عدا ذلك تعدّ عملیة التلقیح بطیئة جدا ناهیك أن البطء في توزیعها أیضا، فإن عددا لا یستھان به من القطاع التمریضي لم یتمكنوا الى الآن من الحصول على لقاح.

ضومط أبدت ارتیاحها لمبادرة القطاع الخاص في لبنان في توفیر اللقاح، وختمت حدیثھا مشددة على ضرورة التسجیل عبر المنصة بعدما تبین أن أعداد اللبنانیین المسجلین لم یتجاوز المليون ومؤكدة ان «اللقاح هو الحل الوحيد لعودة حياتنا لوضعها الطبيعي مع الحفاظ على ضرورة التباعد الإجتماعي ولوقف الجائحة بمناعة مجتمعیة بحوالى 80%».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.