الترسيم في البحر حدوده «سلام اقتصاديّ»

27

وليد شقير (اساس ميديا)

ينتظر بعض المسؤولين اللبنانيين وبعض الديبلوماسيين الأجانب المعنيّين بمتابعة الموقف الإسرائيلي من العرض اللبناني الأخير في شأن ترسيم الحدود البحرية قدوم الوسيط الأميركي كبير مستشاري وزارة الخارجية لأمن الطاقة آموس هوكشتاين إلى بيروت ليسمعوا منه مباشرة ومن فمه المعلومة المتداولة في الأوساط الرسمية بأنّ المسؤولين الإسرائيليين وافقوا على العرض اللبناني. هذه المعلومة تتناقلها الأوساط الرسمية الضيّقة وبعض الديبلوماسيين في بيروت، لكنّها تحتاج بنظر المعنيين إلى تأكيد رسمي، وهي ما زالت شفهيّة، وغير موثّقة كتابيّاً بعد، فضلاً عن أنّه يُفترض أن يرافقها البحث في كثير من التفاصيل التي تُبقي على الحذر لدى بعض المسؤولين اللبنانيين، وفقاً للحكمة التقليدية بأنّ الشيطان يكمن في التفاصيل.

موافقة إسرائيل

و «السلام الاقتصاديّ»؟

المعروف أنّ العرض اللبناني الأخير قضى باعتماد الخط 23 مستقيماً (من دون تعرّج) على أن ترافقه ضمانة أميركية مكتوبة بأن تكون للبنان عائدات استخراج الغاز من حقل قانا النفطي والغازي كاملاً بما فيه الجزء الصغير منه الذي يتخطّى الخط 23 نحو المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لإسرائيل، بعد الحفر والاستخراج، أي أنّ إسرائيل وافقت على ذلك على الرغم من أنّ الإعلام الإسرائيلي نقل عن مسؤولين في تل أبيب بعد اجتماع الحكومة الإسرائيلية المصغّرة في 3 آب أنّ هناك تنازلات «مؤلمة» ستقدم عليها الدولة العبرية (القناة 14 للتلفزيون الإسرائيلي). هذا في حال عُثر على الغاز والنفط في طبقات حقل قانا لأنّ المعطيات لا تؤكّد اختزانه كميّات تجارية إلّا بعد التنقيب. من أسباب الحذر اللبناني وعند بعض الأوساط الديبلوماسية الأجنبية، قول أحد السفراء إنّه حتى لو وافقت إسرائيل على هذا العرض، فإنّه يصعب توقّع موافقتها على اتفاق مبرم في شأنه، والمرجّح اللجوء إلى مخارج هي أقرب إلى «تفاهم» ما، يرعاه الجانب الأميركي، على شاكلة الضمانات المكتوبة التي طلبها لبنان من واشنطن حول حقوقه في عائدات حقل قانا كاملاً، لأنّ إسرائيل قد تفضّل إبقاء الأمور معلّقة في هذه المرحلة. وما يجري حالياً يندرج تحت عنوان تحقيق «سلام اقتصادي» في المنطقة، بحيث تتمكّن الأطراف المعنيّة من الإفادة الاقتصادية المتبادلة، أي أن تستثمر إسرائيل الغاز والنفط في البحر، وأن يستثمر لبنان ما يمكنه الإفادة منه في المقابل. وتندرج تحت هذا العنوان معظم التسويات التي يتمّ التركيز عليها على الصعيد الإقليمي، بحيث لا يعني ذلك إنهاء كلّ الأزمات سياسياً، بل إقامة ظروف لتحسين الأوضاع الاقتصادية لفترة من الزمن.

الاتّفاق يحتاج

إلى علاقات ديبلوماسيّة

هذا التوصيف لِما يمكن التوصّل إليه بين بيروت وتل أبيب يقود ديبلوماسي آخر إلى القول إنّ حصول «اتفاق» أصلاً بين لبنان وإسرائيل ليس ممكناً، لأنّ الاتفاقات تحصل عادة بين دولتين تتمتّعان بعلاقات ديبلوماسية تسمح لهما بالتوقيع على نصوصها، وهو الأمر غير المتوافر بين البلدين. ويتولّى هوكشتاين التفتيش عن صيغة لنقل ما توصّلت إليه الوساطة المكّوكية من نتائج، غير صيغة الاتفاق بالمعنى التقليدي بين دولتين، إلى صيغة قانونية وشرعية. يحتاج هذا الأمر إلى بحث تفاصيل تقنيّة دقيقة جدّاً، حيث إنّ لكلّ كلمة وعبارة تأثيرها في معنى وصياغة النصوص وتفسيرها لاحقاً. وهوكشتاين ذو كفاءة و»شاطر» في ابتداع الطريقة التي تنهي المفاوضات بطريقة مقبولة لأنّه سبق أن عالج حالات ترسيم حدود بحرية في عدّة أماكن، أهمّها الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، التي كانت شديدة التعقيد بعد خلافات استمرّت سنوات. يؤكّد الديبلوماسي نفسه، من خلال الاتّصالات التي تجري مع كلّ من لبنان وإسرائيل، أنّ لديهما إرادة للتوصّل إلى اتّفاق (بالمعنى العامّ للكلمة)، «بحيث يربح لبنان ولا تخسر إسرائيل»، وأنّ لبنان جاهز وينتظر التأكيد الرسمي والنهائي من هوكشتين، من أجل أن يحدّد متى يبدأ التنقيب والحفر، لأنّ إسرائيل سبق أن بدأت.

محضر الناقورة

والصياغة الدقيقة

من المتعارف عليه أنّ إنجاز الترسيم تبعاً للموافقة الإسرائيلية على الاقتراح اللبناني يفترض أن يتمّ من خلال العودة إلى مفاوضات الناقورة غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي كانت بدأت في تشرين الأول 2020 بضيافة الأمم المتحدة كـ»مسهِّل» للتفاوض، وبوساطة الجانب الأميركي، ثمّ توقّفت في أيار 2021. فهل يكون المخرج من خلال محضر الاجتماع النهائي المرتقب، الذي يفترض أن يدعو إليه هوكشتين، أو من خلال بروتوكول معيّن، لتفادي توقيع الجانبين على اتفاق رسمي؟ هذا ما يدفع إلى طرح السؤال: من يكتب المحضر وكيف؟ في الاجتماعات التي عُقدت سابقاً كانت الأمم المتحدة تكتب محضر الاجتماعات، فهل يجري اعتماد المحضر الذي يضعه ممثّلو الأمم المتحدة؟ وهل تتمّ العودة إلى هذه الصيغة؟ لكنّ الثغرة المحتملة قد تكون أنّ كلّ فريق سيكتب محضراً، وقد يكون مختلفاً عن محضر الأمم المتحدة، أو عن محضر الفريق الآخر، أو عن محضر الوسيط الأميركي. فعلى أيّ محضر يفترض أن يتمّ التوقيع؟ هذه أمور يجب حسمها قبل الدعوة إلى أيّ اجتماع في الناقورة. واحدة من الصيغ المطروحة أن يعلن كلّ من الوفدين اللبناني والإسرائيلي خلال اجتماع الناقورة شفهيّاً ما يعتبره كلّ منهما موافقة على تفاصيل ما توصّل إليه هوكشتاين مع كلّ منهما، فيتمّ تسجيل ذلك في المحضر من قبل الأمم المتحدة.

الاعتراض الإسرائيليّ

على تسمية «قانا»

من الأمثلة التي ستطرح الإشكاليّات التي تتناول الصياغات التقنيّة الدقيقة وتحتاج إلى معالجة، أنّ الجانب الإسرائيلي كان طالب عبر هوكشتين أن يغيّر لبنان اسم حقل قانا، لأنّه يرمز إلى الحملة اللبنانية على إسرائيل لارتكابها مجزرة في قرية قانا الجنوبية القريبة من الحدود، مرّتين، الأولى في العام 1996 والثانية في العام 2006. وقد سبق للبنان أن رفع شكوى لدى الأمم المتحدة وربحها، والأخيرة معنيّة بما حصل لأنّ المجزرة الأولى ارتكبها الجيش الإسرائيلي أثناء لجوء المدنيين إلى هنغار تابع للقوات الدولية (اليونيفيل). يسمّي الإسرائيليون حقل قانا حقل «صيدا» كما ظهر في تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين السابقين، فكيف يمكن توحيد التسمية في أيّ محضر أو بروتوكول مفترَض، خصوصاً أنّه لا بدّ أن يتمّ ذكره في الضمانة الأميركية المكتوبة، التي طلبها لبنان ويُقال إنّ إسرائيل وافقت عليها، بأنّ عائدات استثماره كاملاً ستؤول كلّها إلى لبنان؟ ستكون الصياغة النهائية للتفاهم على ترسيم الحدود «لحظة اختبار» حقيقية بنظر الديبلوماسي الدولي الذي تحدّث إليه «أساس»، بل إنّ التمرين الذي يحصل لإنجاز الترسيم يشكّل سابقة في القانون الدولي ويجب أن يكون نموذجاً للدراسة القانونية إذا أُنجز من قبل طلاب الحقوق والقانون في مرحلة لاحقة. فما سيتمّ التوصّل إليه قد لا يصلح لأن يتحوّل لدى الأمم المتحدة إلى اتفاق شرعيّ وقانونيّ، لأنّه يحتاج إلى توقيع الدولتين على نصّ موحّد يرفعانه إلى المنظمة الدولية، لتكريس الحدود دوليّاً. فالمحضر الذي يمكن لدولة من الدولتين، والمقصود لبنان في هذه الحالة، أن تقدّمه للأمم المتحدة ليس كافياً لكي يتمّ الاعتراف بنهائيّة ما يتمّ رسمه عبر وساطة هوكشتين.

إيران مع

«وحدة الموقف اللبنانيّ»

المفارقة أنّ ما هو مطروح من مخارج في صياغة الترسيم، نتيجة غياب العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، قد ينسجم مع الاعتراض المبدئي لفرقاء على أيّ مؤشّر تطبيع بين لبنان وإسرائيل، وفي طليعتهم «حزب الله». حتّى هوكشتاين صرّح بأنّ ما يُعمل عليه لا يعني تطبيعاً.
في هذا السياق يقول الديبلوماسي المعنيّ عن التحذيرات التي أطلقها «حزب الله» باستهداف حقل «كاريش» إذا لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق يضمن حقوق لبنان بمياهه وثروته النفطية، إنّها ذات أبعاد تتخطّى الخلاف حول خط ترسيم الحدود، وتتعلّق بصراع إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مضيفاً أنّ الاستفسار عن خلفيّات موقف الحزب تخطّى سؤال قيادته عن إرادته فعلاً التفاهم على ترسيم الحدود. فبالإضافة إلى أنّ جواب «الحزب» كان إيجابياً، فإنّ الجانب الإيراني سئل بدوره عن الموقف من مفاوضات الترسيم، فكان الجواب إيجابياً، لكنّه مشروط بأن «يكون الموقف اللبناني موحّداً». وبيت القصيد في هذا الموقف أن يكون «حزب الله» موافقاً على ما يتمّ التوصّل إليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.