التّاريخ لا يُكتب تحت القصف

50

بقلم محمد السماك

«أساس ميديا»

متى تصبح تاريخاً وقائع اليوم، وقائع حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على غزّة، ووقائع حرب الانتقام التي شنّتها الولايات المتّحدة وإسرائيل معاً على إيران، وبينهما وقائع الحرب التي شنّتها روسيا على أوكرانيا والمتواصلة حتّى اليوم؟

عاش هيرودوتس الحرب اليونانيّة – الفارسيّة وكتب وقائعها. كانت تلك الوقائع بالنسبة له يوميّات الحرب، فأصبحت بالنسبة لنا تاريخ الحرب، وأصبح هيرودوتس أبا المؤرّخين في العالم.

إيران اليوم هي فارس الأمس. فمن يكون هيرودوتس الغد؟

حاول ونستون تشرشل، رئيس الحكومة البريطانيّة، من خلال كتابه عن الحرب العالميّة الثانية أن يجعل من نفسه هيرودوتس القرن العشرين. لكنّ همّه الحقيقيّ لم يكن تأريخاً صادقاً لوقائع الحرب، بل محاولة نرجسيّة وغير مباشرة لتجميل صورة أبطالها الثلاثة: جوزف ستالين وفرانكلين روزفلت وتشرشل طبعاً. لذلك تعاملت لجنة جائزة نوبل مع كتابه على أنّه نصّ أدبيّ مكتوب بلغة إنكليزيّة راقية، فمنحته جائزتها للآداب، وليس للسلام، خلافاً لأمنياته.

حرمان تشرشل من جائزة نوبل للسلام أسقط عنه صفة المؤرّخ وأغدق عليه صفة الأديب. لقد تعاملت اللجنة مع كتابه على أنّه مذكّرات شخصيّة بما فيها من نرجسيّة ومن تجميل لصورة الذات ولصورة الحلفاء، وتشويه لصورة الآخرين الأعداء، لكنّها كانت مكتوبة بأسلوب أدبيّ جميل، وبالتالي لم تتعامل اللجنة معه على أنّه تأريخ علميّ واقعيّ للحرب العالميّة الثانية، بل وقائع أدبيّة لمأساة إنسانيّة كبرى.

الذي حدث في غزّة كان مأساة إنسانيّة كبرى. فأيّ قلم أدبيّ سوف يرتفع إلى مستوى هذه الإنسانيّة لرواية الجرائم الجماعيّة التي ارتكبتها إسرائيل هناك؟ وكيف ومتى سيتمّ الكشف عن أسبابها الحقيقيّة غير المعروفة حتّى الآن؟

علامات استفهام

صدرت كتب عديدة عن الحرب العالميّة الثانية، لكن جرى تصحيح كلّ تلك الكتب بعد عام 1974 عندما فُتحت الصناديق المغلقة أمام المعلومات السرّيّة التي أحاطت بتلك الحرب. يصحّ الأمر على الحرب الإسرائيليّة في غزّة، والحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران.

في عام 1974 فُتحت لأوّل مرّة الملفّات السرّيّة المتعلّقة بالحرب العالميّة الثانية، وأضاءت المعلومات التي كشفت عنها هذه الملفّات على أخطاء جسيمة وردت في الكتب التي أرّخت لتلك الحرب، بما في ذلك خلفيّات إطلاق القنبلتين النوويّتين الأميركيّتين على مدينتَي هيروشيما وناكازاكي في اليابان، وحقيقة وحجم “المحرقة” التي تعرّض لها يهود أوروبا على يد النازيّة.

حتّى الحرب العربيّة – الإسرائيليّة (حرب رمضان 1973) لم يُكشف عن سرّ “ثغرة الدفرسوار” في جبهة السويس، التي أدّت إلى تراجع القوّات المصريّة، إلّا بعد عدّة سنوات، عندما رُفع الستار لأوّل مرّة عن عزم رئيسة الحكومة الإسرائيليّة في ذلك الوقت غولدا مائير اللجوء إلى استخدام السلاح النوويّ في مصر وقصف سدّ أسوان إذا لم تتوقف القوّات المصريّة تقدّمها في سيناء.

يقول المؤرّخ الأميركيّ فرانسيس فوكوياما في كتاب له إنّ نظرتنا إلى أحداث الماضي تتولّى تحديدها وصياغتها مفاهيمنا لكيفيّة توظيف تلك الأحداث في إعادة صناعة الحاضر والتخطيط للمستقبل.

انطلاقاً من هذه النظريّة في العلوم السياسيّة، ترتسم علامات استفهام على طول جبهات القتال التي عصفت بالعالم منذ مطلع القرن الواحد والعشرين: أيّ فلسطين بعد الحرب على غزّة؟ أيّ إسرائيل وأيّ إيران بعد الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران؟ أيّ شرق أوسط بعد هذه الحروب؟ ثمّ أيّ لبنان سيخرج من تحت أنقاض كلّ هذه العواصف الحربيّة التي كان مسرحاً لها؟

ترتسم علامات استفهام مماثلة في أوروبا أيضاً: ماذا بعد الحرب الروسيّة في أوكرانيا؟ وماذا بعد الانهيار في العلاقات الأميركيّة – الأوروبيّة؟ وأيّ مصير ينتظر حلف شماليّ الأطلسيّ؟

بطل في المكان الخطأ؟

لم يتمكّن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من أن يعيد صياغة النظام العالميّ على قياس ما يعتقد أنّه في مصلحة الولايات المتّحدة. لم يتمكّن الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين من أن يقتلع الشوكة الأوكرانيّة من الخاصرة الروسيّة بعد ثلاث سنوات تقريباً من الحرب.

أُقفل مضيق هرمز أيّاماً معدودات، فشعر العالم كلّه بالاختناق.

لم ينتهِ التاريخ، خلافاً لما تنبّأ به فوكوياما، بانتصار الليبراليّة الأميركيّة على العالم. الحرب مستمرّة، والكتابة عنها وهي مستمرّة ليست، أو لم تكن في الماضي، عملاً ناجحاً.

سوف تمرّ أشهر وربّما سنوات لمعرفة أبعاد الحرب الإسرائيليّة على غزّة، والحرب الإسرائيليّة – الأميركيّة على إيران، والحرب الروسيّة على أوكرانيا. لماذا قصفت إيران دول مجلس التعاون الخليجيّ؟ ولماذا قصفت إسرائيل بيروت، المدينة التي جعلت من نفسها منبراً ثقافيّاً للعالم العربيّ؟

تشكّل الإجابة على هذه التساؤلات محاولة لكتابة تاريخ العدوان الإسرائيليّ، أو تاريخ مشروع التوسّع الإسرائيليّ، لكنّ التاريخ لا يُكتب خلال توالي وقوع الأحداث. كم من “بطل” خلال الحرب تبيّن بعدها أنّهم كانوا في المكان الخطأ يقاتلون لحساب غيرهم!

محمد السماك

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.