الحريري يعلن من ساحة الشهداء: العودة السياسية وتكملة العهد

15

بقلم د. ابراهيم العرب
في ذكرى استثنائية تحمل رمزية عميقة ودلالات سياسية كبرى، عاد الرئيس سعد الحريري إلى الساحة السياسية اللبنانية من البوابة الأوسع، حيث احتشد أكثر من مليون لبناني في ساحة الشهداء وسط بيروت، في الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ليعلن بصوت واضح وحازم: “باقون معاً بمدرسة رفيق الحريري ومعاً بتيار المستقبل، وموعدنا قريب”.
لم تكن المناسبة مجرد احتفال سياسي أو تجمع جماهيري عابر، بل شكلت لحظة مفصلية في الحياة الوطنية اللبنانية. ساحة الشهداء تحولت إلى بحر أزرق يعج بالحياة والأمل، في مشهد لم يشهده لبنان منذ سنوات. الحشود التي توافدت من كل المناطق اللبنانية، من طرابلس شمالاً إلى صيدا جنوباً، ومن البقاع إلى الجبل، جاءت لتؤكد أن مشروع الدولة لا يزال حياً في وجدان الناس، وأن الغياب لم يكن انسحاباً، بل استراحة محارب.
شخصياً، كنت حاضراً في هذه الذكرى، لا بصفتي كاتباً أو مراقباً سياسياً فحسب، بل مواطناً معنياً بذاكرة الوطن ومستقبله. وقفت أمام ضريح الشهيد الرئيس رفيق الحريري، وقرأت الفاتحة على روحه الطاهرة، كما قرأتها على روح الشهيد يحيى العرب رحمهما الله، مستحضراً معنى الشهادة في سبيل الدولة، ومعنى الالتزام الذي لا يسقط بتقادم الزمن. في تلك اللحظة، شعرت بثقل التاريخ وبحجم المسؤولية، إذ لم يكن المشهد مجرد استعادة لذكرى، بل تجديداً للعهد.
ومن قلب الساحة، رأيت عن كثب مدى محبة جمهور سعد الحريري له وتعلقهم به. لم تكن الهتافات مجرد شعارات منظمة، بل تعبيراً عفوياً عن ارتباط وجداني عميق. رجال ونساء، شباب وكهول، بعضهم حضر منذ ساعات الفجر، يحملون صوره ويرددون اسمه بشغف واضح. هذا التعلق لم يكن مبنياً فقط على الانتماء الحزبي، بل على تجربة شخصية عاشها الناس معه، عنوانها التواضع، والأخلاق الحميدة، وحسن المعشر. كثيرون تحدثوا عن لقاءات مباشرة جمعته بهم، عن مصافحة دافئة، عن كلمة طيبة، عن اهتمام بتفاصيلهم الصغيرة. هذه السمات الإنسانية هي التي صنعت الزعامة قبل السياسة.
افتتح الحريري كلمته بتحية خاصة لطرابلس وأهلها، المدينة التي عانت الأمرّين في السنوات الأخيرة، قائلاً: “ما سقط في طرابلس ليس فقط مبنيين، بل انهارت في طرابلس كرامات كل المسؤولين في الدولة وخارجها”. كانت هذه الكلمات بمثابة صرخة ضمير تعبّر عن ألم عميق لما آلت إليه أحوال المدينة التي كانت يوماً عاصمة الشمال الاقتصادية. لم تكن الإشارة تقنية أو إنشائية، بل سياسية بامتياز، تضع المسؤولية في إطارها الوطني.
وفي رسالة واضحة لمن ينتظرون عودته، قال الحريري بلهجة حازمة وواثقة: “موعدنا قريب، ربما أبعد من أمنياتكم بقليل، ولكن بالتأكيد أقرب من أوهامهم بكثير، موعدنا معكم عهد وعالعهد مكملين”. هذه العبارة التي رددها الحضور بحماس منقطع النظير، تحمل وعداً بعودة مدروسة، ليست عودة انفعالية أو رد فعل ظرفي، بل خطوة محسوبة ضمن رؤية استراتيجية لإعادة ترتيب البيت الداخلي وإعادة الاعتبار لمشروع الدولة.
تطرق الحريري إلى أسباب ابتعاده عن العمل السياسي المباشر، موضحاً أن القرار لم يكن هروباً أو استسلاماً، بل موقفاً مبدئياً رافضاً للمساومة على مشروع الدولة. قال: “عندما بات المطلوب أن نغطي الفشل ونساوم على الدولة، قلنا لا وقررنا الابتعاد، لأن السياسة على حساب كرامة البلد ومشروع الدولة لا معنى لها ولا مكان في مدرستنا”. بهذا المعنى، قدم تبريراً سياسياً وأخلاقياً للغياب، معتبراً أن المشاركة في إدارة الانهيار ليست شراكة في الحل، بل تورط في الخطأ.
وفي إشارة إلى من حاولوا استغلال غيابه، قال: “ابتعدنا لكننا موجودون، ونعيش همومكم، ونرى من يعتقدون أنهم سيلغونكم، والذين حولوا أنفسهم للأسف إلى خناجر للطعن بي ليل نهار”. هنا بدا واضحاً أن المعركة لم تكن فقط مع خصوم سياسيين، بل مع بيئة حاولت إعادة رسم التوازنات في غيابه.
في لحظة عاطفية مؤثرة، خاطب جمهوره قائلاً: “هناك أناس لا يحبون إلا السلطة، وهناك أناس قبل السلطة يحبون الناس، وأنا شو بدي أعمل؟ بحبكم الكم، لأنني من مدرسة الناس أولاً”. هذه العبارة لخصت فلسفة سياسية قوامها الإنسان قبل الموقع، والخدمة قبل المنصب. وهي فلسفة تعود جذورها إلى تجربة والده، الذي ارتبط اسمه بإعادة إعمار بيروت وترسيخ مفهوم الدولة المدنية بعد الحرب.
وأكد الحريري: “نحن لا نغير جلدنا ولا ننكر المعروف مهما قست الظروف وظلم ذوي القربى، لأننا لا نبيع مواقف ولا نشتري مناصب”. هذا الثبات في زمن التحولات السريعة يحمل رسالة طمأنة للقاعدة الشعبية بأن الهوية السياسية لم تتبدل، وأن المدرسة ذاتها مستمرة.
على الصعيد العربي، شدد على أن الحريرية كانت وستبقى داعمة لكل تقارب عربي وطاردة لكل خلاف، في إشارة إلى أن لبنان لا يمكن أن يعيش في عزلة عن محيطه الطبيعي، وأن استقراره مرتبط بتوازن علاقاته العربية.
أما عن الانتخابات المقبلة، فقال بثقة: “قولوا لي متى الانتخابات كي أقول لكم ماذا سيفعل المستقبل”. عبارة تختزن رهانه على الشارع وعلى الشرعية الشعبية كمدخل لأي عودة مؤسساتية.
في ختام كلمته، استحضر ذكرى والده الشهيد، مؤكداً أن رفيق الحريري لم يكن رجل مرحلة عابرة، بل نموذج رجل الدولة الذي آمن حتى الاستشهاد بأن لا أحد أكبر من وطنه. وختم برسالة أمل بأن النور واضح في نهاية النفق.
من ساحة الشهداء، بدا واضحاً أن العودة لم تكن مجرد خطاب، بل إعادة وصل بين زعيم وجمهوره، وبين مشروع سياسي وذاكرة وطن. كانت لحظة تختصر معنى الاستمرارية: العهد باقٍ، والمدرسة قائمة، والمستقبل – بكل ما يحمله الاسم من دلالة – لم يُطوَ صفحته بعد.
غير أن المشهد لم ينتهِ عند الساحة. حيث كانت الكلمة الأخيرة في بيت الوسط، حين استقبل الرئيس سعد الحريري المشاركين بالمناسبة، وشكرهم فرداً فرداً على وفائهم وإصرارهم على الحضور، مرحباً بالجميع في بيتهم السياسي والوطني. هناك، بعيداً عن المنصة والهتافات، بدا الامتنان صادقاً والعاطفة حاضرة بقوة.
فقد أكد في كلمته الختامية أن الحريرية ليست ظرفاً سياسياً عابراً، ولا حالة مرتبطة باستحقاق انتخابي، بل نهج دولة ومشروع وطن. وقال بوضوح إن الحريرية باقية ما دام لبنان باقياً، لأنها قامت على فكرة الدولة والمؤسسات والعيش المشترك والاعتدال.
بهذه الخلاصة، اكتمل المشهد: من ساحة الشهداء حيث تجدد العهد أمام الجماهير، إلى بيت الوسط حيث تجددت البيعة المعنوية بين القيادة وقاعدتها. وكانت العودة سياسية، نعم، لكنها كانت أيضاً عودة وجدانية وأخلاقية، تؤكد أن المشروع لم ينتهِ، وأن صفحة جديدة تُكتب بعنوان واحد: الاستمرار في مدرسة الدولة، حتى قيام لبنان الذي نريده جميعاً.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.