خبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي لـ «الشرق»: صيرفة تختصر السياسات النقدية وتحصل على صوت المواطن التفضيلي

95

كتبت ريتا شمعون

كثر الكلام في الأيام الأخيرة عن توقف منصة صيرفة في الوقت الذي إستمرت فيه بيانات مصرف لبنان اليومية عن حركة التبادل على المنصة. كثرت الإجتهادات لجهة كيفية توظيف منصة صيرفة من قبل مصرف لبنان للجم الإرتفاع في سعر صرف الدولار في السوق الموازي ظناً منهم أن منصة صيرفة وجدت لتحقيق هذا الهدف. لكن لم تتوقف صيرفة عن العمل حتى اليوم، ولن تُستخدم من أجل السيطرة على سعر صرف الدولار هذا ما اكده خبير المخاطر المصرفية والباحث في الإقتصاد محمد فحيلي في حديث لجريدة الشرق قائلاً: إن منصة صيرفة هي كل ما تبقى لدى مصرف لبنان لإدارة الإقتصاد الوطني.

ويشرح فحيلي: أن منصة صيرفة هي من أهم الأدوات المتوفرة بأيدي السلطة النقدية اليوم وهي الأكثر تأثيرا في الإقتصاد لإدارة سعر صرف الدولار (وهذا لا يعني بالضرورة تخفيضه) والحد من الضغوطات التضخمية. المنصة، حتى هذه اللحظة. مخصصة لعرض (لبيع) الدولار، ضمن ضوابط معينة، وبسعر مدعوم من قبل مصرف لبنان وليست منصة للتداول الحر (عرض وطلب من دون قيود). والكل يعلم، أن فشل السلطة السياسية الحاكمة بإقرار الإصلاحات وتنفيذها، وإعطاء مصرف لبنان الوكالة الحصرية في إدارة الأزمة والإقتصاد قد يكون قد ساعد على منع الانزلاق الحاد والعميق في تداعيات الأزمة، ولكنه لن ينقذ الإقتصاد الوطني ويدفعه بإتجاه التعافي. ورأى أن من أهم المحطات الصعبة التي مرت على لبنان في تاريخه الحديث هي التعثر غير المنظم في آذار 2020. بالتوقف نهائياً عن خدمة الدين العام (بالجزء المكون بالعملة الأجنبية، وهو الأهم) فكانت إنتكاسة مالية- مصرفية – نقدية:

* مالية: أخرج لبنان من الأسواق المالية العالمية

* مصرفية: تدني حاد ومفاجىء بالتصنيف الإئتماني للبنان ما دفع بالمصارف المراسلة إلى إعادة النظر بقواعد الإشتباك بينها وبين المصارف اللبنانية، وتسبب ذلك بإختناق في تمويل التجارة الخارجية (بحجم ما يقارب الـ 25 مليار دولار بين إستيراد وتصدير)، إضافة إلى تجميد التحاويل إلى الداخل اللبناني.

* نقدية: وبسبب فقدان الثقة بالنظام الذي يدعم العملة الوطنية، وبما أن الإقتصاد اللبناني كان مدولرا (أي يعتمد في الجزء الأكبر منه على الدولار الأميركي في التداول)، كان من السهل جداً نبذ العملة الوطنية لصالح البديل الأقوى. بالإضافة الى القيود والضوابط التي وضعتها المصارف، والتوقف التام عن إعتماد وسائل الدفع المتاحة من قبل المصارف الأمر الذي فاقم الأزمة النقدية لجهة فقدان الثقة بالعملة الوطنية والنظام المصرفي.  وأضاف فحيلي: تحركت السلطة النقدية لإنقاذ النظام المصرفي في 9 نيسان من سنة الـ2020 مع تعميم مصرف لبنان الأساسي الذي يحمل الرقم 150 الذي بموجبه أسس لفتح حسابات بالدولار الفريش محررة من كل القيود شرط أن تكون الأموال مصدرها تحاويل من الخارج و/أو إيداعات نقدية، إلا ان هذا التعميم كان بمثابة حكم بالإعدام على كل الحسابات المكونة (والموجودة) بالعملة الأجنبية، قبل إصدار هذا التعميم فقدت هذه  الحسابات قيمتها الإقتصادية الحقيقية (خصوصاً أن وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي كانت قد توقفت بمعظمها) في ظل ظروف غامضة وغياب تام للرقابة من قبل السلطات المختصة، مشيرا الى ان التعميم 150 أحدث صدمة في القطاع المصرفي وجمدّ تعامل المصارف مع أصحاب الودائع القديمة بالعملة الأجنبية وإرتفع منسوب إنعدام الثقة بين الطرفين. إلا أن مصرف لبنان سارع بعدها لإنقاذ هذه الودائع وأصدر التعميم الاساسي رقم 151 الذي وضع آلية للسحوبات الاستثنائية من الحسابات بالعملة الأجنبية المكونة قبل نيسان 2020، وحدد قيمة الوديعة بالعملة الوطنية على سعر 3900 ليرة للدولار الواحد وترك المركزي لكل مصرف تحديد سقوف السحب اليومية والأسبوعية والشهرية لكل مودع وليس لكل حساب. رغم كل سلبيات هذه التعاميم (150 و 151) كان لها تأثيرات إيجابية عديدة:

* عودة الدماء إلى عروق القطاع المصرفي من خلال الحسابات الفريش وتنشيط التحاويل من وإلى خارج لبنان بعدما

توقفت نهائياً بسبب التعثر الغير منظم في آذار 2020.

* التعميم 151 أسس لقواعد إشتباك جديدة بين المصارف والمودعين إذ وفر الوصول إلى الحسابات المصرفية التي كانت قد فقد أصحابها الأمل بالوصول إليها، ومكّنهم من توظيفها في تمويل فواتير الإستهلاك للأفراد والمصاريف التشغيلية (من رواتب وأجور وغيرها) للمؤسسات.

وفي مسعى من المركزي لضبط المضاربات في الأسواق كان قد أنشأ مصرف لبنان منصة صيرفة بموجب التعميم الأساسي 157 وألزم المصارف بالتسجيل عليها وترك لكل مصرف حرية إتخاذ قرار التبادل عليها أو عدمه، جاء في نهاية العام 2021 وأصدر التعميم الأساسي 161 (الذي بات يُعرف اليوم بمنصة صيرفه) ليؤكد بأن الأمر سوف يكون دائما للمركزي في إدارة الاقتصاد الوطني حتى تستيقظ مكونات الطبقة السياسية وتُطْلق مسيرة الإصلاح المطلوبة. وكأن مصرف لبنان إستوعب خفايا السوق الموازي وقواعد إشتباك المحتكرين والمضاربين في الأسواق وقرر توظيف ما توفر لديه من إمكانيات لتوفير السيولة لسداد فواتير المصاريف التشغيلية للدولة اللبنانية مع الحد من الضغوطات التضخمية وتأمين الحد الأدنى من الإستقرار في سعر الصرف وفي أسعار السلع الإستهلاكية. وأشار الى ان التعميم 161 أسس لمجلس نقد (Currency Board) غير رسمي و من دون الإعلان عنه. اليوم يحافظ مصرف لبنان على كتلة نقدية بالدولار يوظفها، أولاً، لدعم الكتلة النقدية المطلوبة بالليرة اللبنانية لسداد رواتب وأجور موظفي القطاع العام (الحلقة الأضعف في الإقتصاد الوطني حالياً)، وثانياً لتجفيف السوق من الفائض من الأوراق النقدية بالليرة اللبنانية من خلال إستبدالها بالدولار، وأخيراً، جزء من هذه الكتلة يوظف لتأمين بعض الدولارات المدعومة للقطاع الخاص. ويتم ;تدوير (recycling) هذه الكتلة عارضاً وطالباً الدولار مقابل الليرة وفق ما تدّعي الحاجة: يعرض مصرف لبنان الدولار من خلال منصة صيرفة، ويطلبه في السوق الموازي وهو اللاعب الأكبر لأنه يحمل الكم الأكبر من الأوراق النقدية. والعرض والطلب هذا يوظف ليس للتأثير على سعر صرف الدولار بقدر ما هو لضبط التضخم وتكريس الاستقرار النقدي ولو يحصل ذلك على سعر صرف مرتفع نسبيا.  الأهم أنه كان للتعميم 161 حصته بالمساهمة في تمكين المستهلك، صاحب الدخل المحدود، على الصمود مقدما بعض

التوضيحات: إذا أبقينا على راتب الـ 1،000 دولار في الحسابات المصرفية (لولار) لموظف القطاع الخاص، و 8 ملايين ليرة لموظف القطاع العام، السماح لصاحب الدخل الحصول على راتبه وفق أحكام التعميم 161 (بالدولار الفريش على سعر منصة صيرفة) له إيجابياته المتعددة:

* لموظف القطاع الخاص، توأمة التعاميم 151 و 161 يصبح الراتب 210 دولارات فريش على سعر اليوم لمنصة صيرفة الـ38.000 ليرة للدولار الواحد.

* لموظف القطاع العام، ولأن راتبه بالليرة، وبفضل التعميم 161، يصبح الراتب ايضاً 210 دولار فريش لأن قيمة راتب موظف القطاع العام والخاص هي ذاتها بالليرة.

* ومن خلال السوق الموازي، يصبح الراتب بالليرة 9،870،000 ليرة على سعر صرف الـ 47.000 ليرة للدولار الفريش الواحد، أي إضافة 1،870،000 ليرة على القدرة الإستهلاكية من دون أن تحتسب هذه الإضافة عبئا إضافيا على المصاريف التشغيلية لمؤسسة القطاع الخاص ولا على الخزينة العامة. هذا الفارق يتحمله مصرف لبنان وتداعيات هذا الفارق برواتب البعض هي على جميع اللبنانيين لأن هذا الفائض هو إضافة على الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية وهناك كلفة إضافية (إرتفاع في سعر صرف الدولار في السوق الموازية) لتجفيفها للحد من التأثيرات التضخمية. وأكد فحيلي، أن هذه الضبابية المتعمده أنتجت ثغرات في إحتساب الكلفة الحقيقية للنشاط الإقتصادي حتى أن هناك غموضا، وهو أكثر من ضبابية، وسببه إنعدام ثقة المواطن بالنظام المالي ، هذا الغموض فاقم الوضع وأدى إلى إستحالة إحتساب حجم الكتلة النقدية التي تساهم في دوران العجلة الإقتصادية لأنه من الصعب معرفة كمية الأوراق النقدية المخزنة في الصناديق الحديدية في المنازل والمكاتب، والكمية التي توظف في تمويل النشاطات الإقتصادية (الإستهلاك والمصاريف التشغيلية).  وختم فحيلي، أن طباعة العملة يساهم في إنتاج ضغوطات تضخمية خصوصا إذا تم توظيف مجملها في تحريك العجلة الإقتصادية من خلال تفعيل الاستهلاك (لا الإنتاج) ولهذا يجب عدم إحتساب الكمية المخزنة كجزء من الكتلة النقدية عند دراسة وتقييم التأثيرات التضخمية لطباعة العملة. ولهذا السبب يضطر مصرف لبنان، من وقت إلى آخر، أن يلجأ إلى إستهداف الأوراق النقدية المخزنة بالليرة عندما يرفع الضوابط عن طلب الدولار عبر منصة صيرفة (لحاملي الأوراق النقدية بالليرة من دون حدود)، والمخزنة بالدولار الفريش من خلال إنتاج سعر صرف مغري للدولار في السوق الموازي. مؤكدا: لهذا السبب يجب إبقاء منصة صيرفة وتوظيفها حصرياً لصرف الرواتب والأجور لأن فتحها أمام حاملي الأوراق النقدية من دون حدود يشجع على التخزين والمضاربة واحداث إضطرابات في سعر الصرف عوضاً عن التقلبات في سعر الصرف التي هي من ضمن التوقعات وفي معظم الأوقات تكون تحت السيطرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.