«الشرق» تلاحق شحنة «الكبتاغون» وتداعياتها على المزارعين والصناعيين: أسعار الخضر والفواكه تنخفض 50 في المئة… والضمانات مطلب سعودي محقّ

23

كتبت ريتا شمعون

في أحلك الأوقات، یأتینا قاتل مجرم ومھرّب لمئات الكیلوغرامات من الحشیش الى المملكة العربیة السعودیة لیضرب علاقة لبنان بها وبمحيطها  ولیزیل ورقة توت أخرى من جسد الدولة اللبنانیة المنھارة.

لیلة القبض على شحنة المخدرات وضعت لبنان بموقف حرج وسط تحذیرات من استغلال الفوضى التي تعمّه إقتصادیا ومالیا وأمنیا لیكون مصنّعا ومصدّرا للمخدرات الى الدول العربیة والأوروبیة.

ولو كان لبنان دولة فعلیة لنجح في الحدّ من آفة الترویج والتھریب ومنع الحمایة السیاسیة والقضائیة والأمنیة لصاحب المصنع ولكل من تسول له نفسه العبث بأمن الوطن الإقتصادي والسیاسي. ولكن… “في الخبایا والزوایا، نعرف البیر وما فیه وغطاه”.

في الواقع أعلنت السلطات السعودیة منع دخول الخضر والفواكه اللبنانیة الى أراضیھا أو عبرھا لاستغلالھا في “تھریب مواد مخدرة” بعد أن تمكنت المدیریة العامة السعودية لمكافحة المخدرات من احباط تهريب 2.4 مليون قرص امفيتامين مخدر من لبنان مخبأة داخل شحنة لفاكھة الرمان.

القرار السعودي حظي بمساندة عربیة وخلیجیة واسعة فأیدته بعض الدول  ومنھا الكویت والبحرین وسلطة عمان والإمارات وشكل صدمة بالداخل اللبناني ما قد یؤثر علیه سلبا في المرحلة المقبلة ویؤدي الى كساد زراعي بحسب  تجمع المزارعین اللبنانیین، ونقص في موارد الدولة من العملة الصعبة وإقفال حوالى 40 % من المصانع اللبنانیة بحسب جمعیة الصناعیین في لبنان.

لذلك على لبنان أن یبادر فورا الى الكشف عن المجرم الذي دس المخدرات في الشاحنات وعن غطائه السیاسي والقضائي وإنزال أقصى عقوبة به وبالتالي الى ضبط الحدود والمعابر بدل التلهي بتبادل الاتهامات خصوصا المتعلقة بمناقصات السكانر ،كما اكد نائب رئيس جمعية الصناعیین زیاد بكداش في حدیث لـ “الشرق”.

بكداش قال ان لبنان ھو المخطىء في ھذه القضیة لأنه مصدر ھذه المخدرات محملا السلطة السیاسیة مسؤولیة التراخي والعجز ومھنئا إیاھا على نجاحھا في ضرب القطاع المصرفي وإختفاء السیاحة والقضاء على المواسم الزراعیة وابدى تخوفه من أن تفشل السلطات اللبنانیة باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف عملیات التھریب وبالتالي إعطاء ضمانات كافیة للمملكة العربیة السعودیة لتعلیق قرارھا بمنع الإستیراد، لان من شأنه أن یضرّ بالقطاع الصناعي الذي نجح خلال الأزمة بالتعویض عن النقص الحاصل في السوق اللبنانیة حتى یكون آخر مسمار یدق في نعش الإقتصاد اللبناني.

وأضاف أن “الإجراءات التي اتخذت لمواجھة عملیات التھریب بدت دون المستوى المطلوب بل أقل من عادیة ،الأمر الذي یثیر تساؤلات واسعة عن مدى القدرة على إظھار الصدقیة اللازمة في ضبط التفلت وبعیدا من الجدل حول قانونیة صفقة أجھزة “السكانر”، جھّز مركز المصنع الحدودي بجھاز  تمّ تعطیله عمدا من خلال إصطدام الشاحنات به سائلاً:من یصدّق أن المسألة ھي “سكانر”؟

وسأل: “ھل یمكن للسلطة أن تخبرنا لماذا تتعامل باستخفاف واضح مع مسألة التھریب؟”. واستغرب “عدم ضبط شحنة الرمان من قبل الجمارك والقوى الأمنیة لدى نقلھا بحاویة مبردة في مرفأ بیروت، إذ لا یمكن السكوت عن التقصیر الأمني. ھناك الكثیر من التراخي ما یجعلنا غیر راضین على الخطوات المتخذة لمعالجة الوضع. ھناك خطأ یجب معالجته” متخوفا من أن یزداد الوضع سوءاً ما یؤثر سلبا على العلاقات اللبنانیة السعودیة التي ھي لیست على ما يرام”.

وتابع: والسؤال الذي یطرح نفسه ھنا: ھل لبنان قادر على العیش من دون الخلیج؟ ھناك حوالى 500,000 لبناني یعیشون ویعملون في دول الخلیج، أكثر من نصفھم في السعودیة. كذلك ما یقارب نصف تحویلات اللبنانیین من الخارج ھي من دول الخلیج”.

وأكد بكداش انه یجب الحفاظ على العلاقة مع السعودیة وسائر دول الخلیج باعتبارھا أسواقا طبیعیة للبنان، والسعودیة ھي بوابة المنتوجات اللبنانیة الزراعیة منھا والصناعیة سواء من موقعھا السیاسي أو من موقعھا الجغرافي حیث تبلغ نسبة الصادرات اللبنانیة ما بین 900 ملیون دولار وملیار دولار  سنویا.

ورأى ان من الظلم معاقبة الشعب اللبناني من الأصدقاء العرب وتحدیدا من السعودیة من خلال عزله مشیرا الى أن الضحیة الاولى لھذه العملیة ھي لبنان نفسه. وناشد السعودیة  إعادة النظر بالقرار مشیرا الى ان المملكة وقفت الى جانب لبنان منذ 1975 في كافة المراحل الصعبة التي مرّ بھا.

وقال إن “جمعیة الصناعین أبلغت رئیس الجمھوریة میشال عون أن الصناعیین مستعدون للإتفاق مع شركات متخصصة لمراقبة البضائع المصدرة قبل التحمیل بھدف إشاعة جو من الراحة لدى الجانب السعودي ونقلنا للرئیس رفضنا لأن تسوء علاقتنا مع الدول الخلیجیة وتحدیدا السعودیة” ولفت الى أن لبنان یصدر بحدود ملیار دولار أمیركي الى الخلیج العربي في السنة متمنیا أن لا نخسرھا.

وشدّد على أن معالجة قضیة المعابر بحاجة الى قرار سیاسي. وقال: “ھناك مشكلة عند الحدود البرّیة غیر الشرعیة والتي تعتبر مزرابا لھدر المال العام وتساھم في استعصاء الأزمة الإقتصادیة والمعیشیة ومشكلة أخرى لیست أمنیة وإنما سیاسیة والمفارقة أن السلطة السیاسیة سارعت الى إطلاق الدعوات من أجل مكافحتها لكن ھذا لا یكفي” بحسب بكداش، الذي طالب بإجراءات حاسمة لمنع تكرار مثل ھذه العملیات (عملیات التھریب).

أمام ھذا الواقع إنتقد نائب رئيس جمعية الصناعيين  بشدة السلطة السیاسیة قائلاً: “ھل تدرك السلطة أن الوقت حان لكي تبدأ بالبحث عن كیفیة حمایة اللبنانیین ومصالحھم بعد أن كان ھمھا طوال سنوات طویلة توزیع الحصص بین الأحزاب والطوائف الأمر الذي یتعارض مع ھموم الناس ومطالبھا؟!”.

صرخة ألم عمیق اطلقها رئیس تجمع المزارعین والفلاحین في البقاع ابراھیم ترشیشي  عبر “الشرق” مؤكدا أن “كل التحقیقات في شاحنة الكبتاغون تشیر الى أن المصدّر والتاجر اللبناني غیر معني بھذه التجارة وبھذه الأفعال الشائنة التي نرفضھا جمیعنا” مضیفا: “ھذا ما أكدته التحقیقات من خلال متابعة أصحاب ھذه الشحنة وتبین أنھم من غیر اللبنانیین ولا یجوز إتھام أي مصدر لبناني بھذه الأعمال التي یرفضھا كل المزارعین والمصدّرین”.

وأشار الى ان الإتصالات لاتزال جاریة وعلى أعلى المستویات للعودة عن القرار وإعطاء ضمانات للمملكة العربیة السعودیة تكفل التشدد في المراقبة الجمركیة على شحنات السلع الزراعیة بشكل نظامي وتخضع كلھا للتدقیق المشدد من قبل إدارة الجمارك والمكتب الزراعي.

وأكد أن تداعیات القرار خطیرة على المزارعین الذین بالأساس یعانون من ظروف بالغة الصعوبة متخوفا من أن تكون نتائج ھذه العملیة إقتصادیة – سیاسیة لیس باستطاعة لبنان تحملھا ومتمنیا أن تثمر الإتصالات تعاونا أمنیا وقضائیا بین لبنان والسعودیة.

وقال: “بدأت تبعات القرار السعودي تظھر في الأسواق اللبنانیة حیث انخفضت أسعار الخضر والفاكھة بنسبة 50 %وإذا سارت السعودیة بقرارھا فالأسعار الى تدھور، وسیكون كساد الموسم الذي یدر العملة الصعبة الأشد حدّة” واضاف: “یجب أن تتابع الدولة تحركھا على المستوى السیاسي لأن الأمور قد تتعقد وتنسحب بطبیعة الحال على مختلف بلدان الخلیج” مبدیا  قلقه خصوصا أن الصادرات الى دول الخلیج تعتبر سندا مھما لھؤلاء المزارعین الذین استعانوا بالدولار الزراعي لتوسیع مشاریعهم الزراعیة وللصمود في مواجهة الأزمات الإقتصادیة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.