العفو الرئاسي غب الطلب

33

قرأت صبيحة هذا اليوم (أمس) الخبر المنشور في صحيفة نداء الوطن تحت عنوان فضيحتان في القضاء بطلاها باسيل وجريصاتي، وفي تفاصيل احدى الفضيحتين صدور مرسوم عفو خاص خلافاً لرأي لجنة العفو والنيابة العامة التمييزية عن امرأة محكومة بحكم مبرم بجرم الاتجار بالمخدرات بعد توكيلها محامي جبران باسيل لقبول طلب العفو،

كما قرأت ظهيرة هذا اليوم رد وكيل الوزير السابق جبران باسيل المنشور في موقع ليبانون ديبايت مبرراً صدور العفو الخاص عن تاجر مخدرات تحت عنوان صلاحية رئيس الجمهورية بإصدار العفو الخاص مستطرداً بأن الأسباب الموجبة للعفو كانت أسباب إنسانية وأن المعفو عنها هي معيلة لأهلها وأنها قضت نصف محكوميتها في السجن الى ان صدر العفو الخاص الأبوي عن فخامته.

فحضر في ذهني آلاف الموقوفين بجرائم المخدرات التي فاق عدد مذكرات التوقيف الصادرة بحقهم الى الـ ٢٠٠٠٠ مذكرة ، كما استحضرني مئات الموقوفين الإسلاميين الذين فاقت عدد سنين اعتقالهم العشر سنوات وبقوا من دون محاكمة الى الآن، واستثنوا من مشروع العفو العام الذي لم يبصر النور، عن أي أسباب إنسانية تتكلمون فرائحة الفساد تخطت الحدود في هذا العهد ووصلت الى حد المتاجرة بالعدالة  تحت عناوين مختلفة.

 

نشرت الزميلة نداء الوطن أمس تحت عنوان: «فضيحتان في القضاء بطلاها باسيل وجريصاتي» التفاصيل الآتية حول مرسومي عفو رئاسي، فذكرت الآتي:

الفضيحة الأولى: بعد أن أصدرت محكمة الجنايات في العام 2018 حكمها بتجريم رنا بروس معوض بجناية تسهيل ترويج مادة الكوكايين وتعاطي المخدرات وهو حكم قضائي مبني على اعترافها بارتكاب هذا الجرم، وبعد أن حكمت المحكمة عليها بالأشغال الشاقة المؤبدة ثم منحتها الأسباب التخفيفية وحكمت عليها بالأشغال الشاقة الموقتة لمدة 15 عاماً، أقدم وكيلها المحامي زياد و. على تمييز هذا الحكم غير أنّ محكمة التمييز ردت التمييز وأبرمت حكم محكمة الجنايات. وأمام بلوغ الحكم بحقها أقصى درجات التقاضي، وباتت مسألة إطلاقها تحتاج إلى «تخريجة» ما، تم استبعاد محاميها واستُقدم خصيصاً لتحقيق هذه الغاية المحامي ماجد البويز، المعروف بأنه الوكيل القانوني للوزير جبران باسيل والمفوّض من قبله بتنسيق التشكيلات القضائية، فتولى بويز تقديم طلب عفو خاص إلى رئيس الجمهورية بواسطة وزير العدل ألبير سرحان الذي قام باستطلاع رأي لجنة العفو الخاص حيال الملف، فاستطلعت اللجنة رأي النيابة العامة التمييزية التي رأت «رد طلب العفو الخاص في الأساس»، كما قررت لجنة العفو بدورها رد طلب العفو أيضاً «لعدم وجود ما يبرره» (علماً أنّ أعضاء هذه اللجنة هم أيضاً أعضاء في مجلس القضاء الأعلى الذي لطالما كان يطالب فخامة الرئيس منحه أوسع الصلاحيات وعدم التدخل السياسي بعمله)، إلا أنه وعلى الرغم من رأي مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات الرافض، وقرار لجنة العفو الرافض لمنح العفو الخاص، بدا صوت وكيل باسيل المحامي بويز أقوى وأعلى من صوت القضاء والقانون إذ وفي سابقة لم يشهدها التاريخ لا في لبنان ولا حتى في كولومبيا معقل «كارتيلات المخدرات»، أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً يمنح فيه العفو الخاص عن المحكومة بجناية ترويج مخدرات.

أما عن الفضيحة الثانية، فبعد أن أصدرت محكمة المطبوعات في العام 2010 حكمها بتجريم روجيه عقل بجرم الذم والمس بكرامة الملك السعودي عندما وصفه بـ»عاهل التيوقراطية الإسلامية الفاشية» وقضى بتغريمه بمبلغ خمسين مليون ليرة، تقدّم المحكوم عليه بطلب تمييز هذا الحكم فردته محكمة التمييز وأبرمت الحكم. وكما في الفضيحة الأولى، كان لا بد من «تخريجة» ما ولكن هذه المرة لم يتولَّها وكيل باسيل بل محام آخر من مكتب وزير الرئاسة الأولى حالياً سليم جريصاتي وهو المحامي ناجي لحود (علماً أنّ طلب العفو كان قد قدم وقتها إلى جريصاتي نفسه الذي كان حينذاك وزيراً للعدل وتلقى الطلب من لحود المحامي في مكتبه!). وأيضاً على شاكلة مجريات قضية مروجة المخدرات، اقترحت النيابة العامة التمييزية رد طلب العفو، ورفضت لجنة العفو هذا الطلب، لكن وكما صوت وكيل باسيل، كان هذه المرة صوت المحامي في مكتب جريصاتي، أقوى من القضاء والقانون ومن الراوبط التاريخية التي تربط لبنان بمحيطه العربي وأقوى من العلاقة الاستثنائية التي تربط لبنان ومصالح اللبنانيين بالمملكة العربية السعودية، وإذ بفخامة الرئيس وفي سابقة أيضاً لم يشهدها تاريخ التعامل بين الدول الشقيقة يصدر مرسوماً يمنح فيه العفو الخاص عن محكوم بجرم المس بكرامة العاهل السعودي ليخفّض بموجبه العقوبة من خمسين مليوناً إلى عشرة ملايين ليرة.

مع حفظ حق التحفظ على إدارة البلاد في المرحلة الراهنة، لكن من موقع الحرص على موقع الرئاسة الأولى تستعرض «نداء الوطن» هذه القضية لوضعها في المقام الأول بعهدة فخامة الرئيس الذي لا بد وأن تكون غايته نبيلة في منح العفو الخاص وعدم السماح بأن يستدرجه من حوله من «حماة العهد» إلى استخدام هذه الصلاحية السامية والاستثنائية لرئيس البلاد في قضايا من نوع العفو عن مروّجي مخدرات وشتّامين بحق نظرائه من قادة العالم العربي في الوقت الذي يطلب فيه رئيس الجمهورية نفسه دعم المجتمع العربي للبنان لإخراجه من أزمته الاقتصادية.

رئيس الجمهورية «رمزنا وعزتنا» و»عمادنا ورئيسنا»، وحدك تمتلك جرأة لملمة هاتين الفضيحتين حتى ولو كلفك الأمر تحميل أقرب المقرّبين المسؤولية عن توريط مقام الرئاسة الأولى فيهما. فإذا كان استخدام صلاحية العفو الخاص بشكل يعكّر علاقة لبنان بالسعودية قد يجد من يبرره ممن يتربصون سياسياً بالمملكة وبعضهم في دوائر قرار بعبدا، لكن بالنسبة لمبرر العفو عن تجار المخدرات ومروجيها فلا مناص من وضعها برسم الرأي العام وذوي اللبنانيين، وفي مقدمهم «بيّ الكل» وبناته وأولادهنّ، الذين لا بد وأنهم يحرصون على مكافحة آفة المخدرات وتشديد العقوبات على المتاجرين بها ومروجيها لا العفو عنهم خشية اقتحامها صفوف أولادهم وبيوتهم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.