الفجوة في لبنان: مالية أم عقلية؟

404

بقلم د. طالب سعد
استاذ جامعي محاضر في العلوم الاقتصادية
منذ التدهور الاقتصادي والانهيار المالي في لبنان، تركز النقاش العام والسياسي والإعلامي على ما سُمّي “الفجوة المالية”، بوصفها الفرق بين التزامات الدولة والمصارف ومصرف لبنان من جهة، وما تبقى من أصول قابلة للاستخدام من جهة أخرى. وقد تحوّل سؤال “أين ذهبت الأموال؟” إلى العنوان الأبرز للأزمة، وكأن كشف المسار المحاسبي للأموال وحده كفيل بتفسير ما جرى أو بمنع تكراره. غير أن هذا التركيز، على أهميته من زاوية المساءلة القانونية والأخلاقية، يبقى قاصراً عن تفسير جوهر الانهيار، لأن ما يواجهه لبنان ليس فجوة مالية فحسب، بل فجوة عقلية عميقة في فهم المال، والائتمان، ودور الدولة، ووظيفة النظام المالي في الاقتصاد.
تُظهر المعطيات الحديثة حجم الكارثة التي أصابت الاقتصاد اللبناني. فقد قدّر البنك الدولي أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش بأكثر من 38% بين عامي 2019 و2024، وهو أحد أعمق الانهيارات الاقتصادية المسجلة عالمياً خارج سياقات الحروب الشاملة. كما أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد اللبناني فقد نحو 40% من حجمه منذ بداية الأزمة، في حين فقدت الليرة اللبنانية ما يقارب 98% من قيمتها، ما أدى إلى تضخم مفرط استمر لسنوات قبل أن يتراجع نسبياً مع استقرار سعر الصرف منذ منتصف 2023. وعلى الرغم من هذا الاستقرار الظاهري، فإن الدين العام لا يزال مسألة لم يتم التطرق لمعالجتها، إذ بلغ نحو 176% من الناتج المحلي في عام 2024، مع هيمنة شبه كاملة للدين بالعملات الأجنبية، ما يقيّد أي هامش للمناورة النقدية أو المالية.
أما الخسائر المالية، التي تشكل جوهر ما يُسمى “الفجوة”، فقد قدّرها البنك الدولي بأكثر من 72 مليار دولار، أي ما يفوق ثلاثة أضعاف الناتج المحلي لعام 2021، مع الإشارة إلى أن هذه الخسائر تفوق قدرة الدولة والنظام المصرفي على المعالجة التقليدية أو الإنقاذ الجزئي. هذه الأرقام، على فداحتها، لا تشرح وحدها لماذا وصل لبنان إلى هذا الدرك، بل تفرض الانتقال من توصيف النتائج إلى تفكيك الأسباب البنيوية التي راكمت الأزمة عبر عقود.
في هذا السياق، يمكن قراءة الانهيار اللبناني بوصفه تجسيداً حاداً لاختلالات أعمق في النظام المالي المعاصر، حيث تآكلت وظيفة المال كوسيط للتبادل وحامل للقيمة، لصالح تحوّله إلى أداة مضاربة وتراكم ريعي. ويعيد هذا الواقع إلى الواجهة ما يُعرف في الفكر الاقتصادي بقانون غريشام، القائل بأن «النقد الرديء يطرد النقد الجيد» عندما يُفرَض على النقدين إطار قيمي واحد أو نظام تسعير مشوّه. ففي الحالة اللبنانية، لم يقتصر الأمر على نقدين ماديين، بل تعداه إلى ازدواجية في القيم نفسها: قيمة دفترية للودائع والأصول تقابلها قيمة فعلية متآكلة بفعل تعدد أسعار الصرف والقيود على السحب والتحويل وسياسة دعم غير مدروسة ساهمت في نزيف نقدي حاد وغير مجدي، ما دفع الأفراد والمؤسسات إلى الهروب نحو النقد الأجنبي أو الذهب أو الاقتصاد النقدي، وترك “النقد الرديء” محصوراً داخل النظام وهو أمر بديهي أن يحصل ويحقق نوع من التصحيح الذاتي.
كما تنسجم التجربة اللبنانية مع فرضية عدم الاستقرار المالي التي صاغها هيمان مينسكي، والتي ترى أن فترات الاستقرار الظاهري تولّد سلوكيات مفرطة في المخاطرة والاقتراض، ما يؤدي في النهاية إلى هشاشة النظام وانفجاره. فقد بُني النمو اللبناني لسنوات على تثبيت سعر الصرف، وجذب الودائع عبر فوائد مرتفعة، وتمويل العجز العام من خلال الجهاز المصرفي، من دون قاعدة إنتاجية قادرة على توليد تدفقات نقدية حقيقية. وعندما توقفت التدفقات الخارجية، انكشفت الهشاشة دفعة واحدة، وتحولت الخسائر المؤجلة إلى اقتطاعات قسرية وغير متكافئة أصابت المودعين والاقتصاد الحقيقي.
غير أن الأخطر من الخسائر بحد ذاتها هو ما يمكن تسميته “الفجوة العقلية”، أي منظومة الأفكار والسلوكيات والمؤسسات التي سمحت بتراكم الاختلالات من دون تصحيح. هذه الفجوة تتجلى أولاً في فهم مشوّه للمال، حيث جرى التعامل معه كثروة مستقلة عن الإنتاج، لا كأداة مرتبطة بالقيمة المضافة والعمل والثقة. وتتجلى ثانياً في فجوة الحوكمة، حيث جرى تأجيل الاعتراف بالخسائر، وتسييس السياسة النقدية، وتحويل النظام المالي إلى أداة لإدارة الأزمات بدل معالجتها. أما ثالثاً، فتتجلى في نموذج اقتصادي ريعي، استهلاكي، يعتمد على الاستيراد والتحويلات، من دون استراتيجية إنتاجية مستدامة.
من هنا، يصبح السؤال عن “أين ذهبت الأموال؟” ضرورياً لكنه غير كافٍ. فهو يفسر الأثر ولا يعالج السبب، ويقود غالباً إلى صراعات ظاهرها اجتماعي أو طبقي، فيما يبقى جوهر المشكلة قائماً: نظام مالي عالمي ومحلي يقوم على تضخيم الائتمان، وتأجيل الخسائر، وتكريس هيمنة مالية تعيد إنتاج الأزمات بأشكال مختلفة. وإذا لم تُعالج هذه الفجوة العقلية، فإن ما يُسمى اليوم فجوة مالية سيُعاد إنتاجه مستقبلاً في لبنان أو في غيره، تحت مسميات جديدة وأرقام مختلفة.
إن الخروج من هذا المسار لا يمكن أن يتم عبر الحلول التقنية وحدها، بل عبر نهج اقتصادي بديل يعيد ربط تمويل الدولة بالنمو الاقتصادي الحقيقي لا بالعجز، ويعزز القوة الشرائية للنقد عبر الانتاج والإنتاجية لا عبر القرارات الإدارية والشعارات الانتخابية والبيانات الحزبية، ويدعم القطاعات المنتجة القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل وتوازن في ميزان المدفوعات. كما يتطلب إعادة تعريف دور الدولة بوصفها مديراً حريصاً على زيادة الإنتاج وتنظيم السوق وحماية المنافسة، لا لاعباً ريعياً أو مصرفاً مقنّعاً أومنافساً تجاريا أو انتاجياً.
في المحصلة، إن الأزمة اللبنانية ليست مجرد خلل في الحسابات، بل انعكاس لأزمة فكر اقتصادي ونموذج تنموي. وما لم يُعاد بناء هذا الفكر على أسس الإنتاج والحوكمة والعدالة الاقتصادية، فإن الفجوة ستبقى تتجدد، وستبقى الثروات تُستنزف، مهما تغيّرت الأرقام أو تبدلت العناوين.
د. طالب سعد

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.