«الفجوة» ليست خسائر أو هدراً… إنها سرقة موصوفة عن سابق تصوّر وتصميم
كتب عوني الكعكي:
كثر الحديث عن «الفجوة المالية» وباتت الشغل الشاغل للحكومة والمجلس والمتابعين الاقتصاديين.. لكن الفجوة في الحقيقة ليست مجرّد فجوة… بل هي خسائر وعجز وسرقة موصوفة عن سابق تصوّر وتصميم.
أولاً: ولأعُد بالذاكرة الى عام 1974، يوم كان كميل شمعون وزيراً للمالية… يومذاك برز العجز واضحاً في موازنة الدولة بلغ حسب بيان وزير المالية، العجز بقيمة ألفي مليون ليرة.
لقد انهار الاحتياط ولم يبقَ منه شيء. ووقع البلد في عجز مُتتالٍ نتيجة رصد الأموال واللجوء الى المصاريف غير المجدية.
ثانياً: ظلّت الأمور على حالها حتى يومنا هذا أكثر من 51 سنة ولبنان يعاني العجز في موازناته.
ثالثاً: لقد أُجبر حاكم المصرف السابق رياض سلامة على دفع 30 مليار دولار لدعم المحروقات وغيرها.
رابعاً: عجز الكهرباء على مدى السنين، والذي بلغ ذروته في عهد وزراء الطاقة المحسوبين على «الابن المدلّل» والذي فاق الـ45 مليار دولار. والأنكى من ذلك كله أنّ الدعم المزعوم كان بحجّة دعم الفقراء… متجاهلين عن عمد، ومتناسين أنهم أبقوا التعرفة على حالها…
خامساً: كانت السرقات والعمولات واضحة… بحجّة البواخر المستأجرة…
لقد استعان «الصهر المدلّل» بباخرتين: سفينة الطاقة الكهربائية «فاطمة غول سلطان» وباخرة «أورهان بيه».
سادساً: رفض عرض الصندوق الكويتي:
ومما زاد الطين بلّة، أنّ الحكومة اللبنانية، وتحديداً في عهد وزير الطاقة «الصهر المدلّل» جبران باسيل، رفضت عرض الصندوق الكويتي لتمويل مشاريع كهرباء بقيمة تصل الى مليارات الدولارات… حيث واجه العرض معوّقات متعلقة بـ «العمولات». وإصرار «الصهر المدلّل» على التنفيذ المحلي طالباً 75 مليون دولار كعمولة… ولما قوبل طلبه بالرفض.. عارض عرض الصندوق الكويتي، وفوّت فرصة ذهبية لا تعوّض. مما أدّى الى تأخير مشاريع الكهرباء وتفاقم الأزمة.
وكان صاحب فكرة عرض الصندوق الكويتي هو الشيخ صباح الصباح الذي كان يتسلم مركز وزير الخارجية يومذاك… وكان محبّاً للبنان، متعلقاً به، وله منزل خاص في صوفر. إذ شاهد الشيخ صباح ما يعانيه لبنان من أزمة كهرباء عبر أجهزة التلفزة، فاتصل بإدارة الصندوق الكويتي طالباً منها تقديم العرض ومساعدة لبنان على اجتياز الأزمة.. فجاءت معارضة باسيل لتفوّت فرصة ثمينة.. ليرتكب «الصهر المدلّل» خطيئة كبرى برفضه ذاك.
سابعاً: عرض شركة «سيمنز»:
كان عرض «سيمنز» للبنان يتعلق بحلول شاملة لأزمة الكهرباء، تشمل بناء معامل توليد جديدة، وتحسين الشبكة، بهدف تأمين طاقة مستدامة بفترات قصيرة (6-8 أشهر للمرحلة الأولى)، مع التركيز على حلول غير قابلة للفساد.
والمصيبة أنّ العرض قوبل بالرفض، بفضل الاستمرار بخيار البواخر.
وقصة الدولة اللبنانية مع شركة «سيمنز» الألمانية شرح يطول، فعلى خلفية عرض قدمته الشركة لإصلاح قطاع الكهرباء المترهّل… عرضت «سيمنز» أيضاً بعد انفجار المرفأ في 4 آب، توفير محطتين متنقلتين لتوليد الطاقة بتوربينات الغاز مجاناً، بما يؤمن 80 ميغاوات من الكهرباء ويخدم نحو 150 ألف مقيم في العاصمة، وستقوم الشركة بعمليات الفحص والصيانة لمعملي الزهراني ودير عمار دون مقابل، كما ستقوم بتحديث المعدات في المحطتين.
يومذاك أوضح وزير الطاقة ريمون غجر (من تيار باسيل) رفضه بحجة أنّ الحصول على الفيول سيكلف الخزينة مبالغ طائلة.
المهم أنّ «الصهر المدلّل» وتياره، أضاعا الفرصة الثمينة بحجج واهية… والحقيقة أنهما كانا يسعيان الى «شفط» الأموال من خلال العمولات… لقد تمّت لفلفة المخالفات والفساد إكراماً لـ»الصهر المدلّل» لأنه الجهة المدانة بالفساد.
وأذكّر هنا أنّ المستشارة الألمانية وبحضور وفد كبير من «سيمنز»، قدّمت عرضاً مغرياً، رفضه الوزير «الصهر المدلّل» لعدم حصوله على العمولات التي طلبها.
ثامناً: أتساءل: لماذا شركة كهرباء لبنان حقّقت وفراً في صندوقها المالي؟ الجواب… لأنها عدّلت التعرفة… في حين أنّ وزراء الطاقة من تيار الوزير الصهر، رفضوا تعديل التعرفة بحجة أنهم يساعدون الفقراء. وكأنّ لبنان اليوم بعد رفع التعرفة خالٍ من الفقراء والمعوزين والمساكين.
كذلك أسأل: لماذا كانت الدنيا تقوم ولا تقعد، إذا زاد ثمن صفيحة البنزين والوقود؟
ولنتذكّر معاً ما حصل عندما حاول الوزير السابق محمد شقير عندما أراد وضع 5 سنتات على «الواتس أب»…
تاسعاً: وأذكّر أيضاً بأنّ «الصهر المدلّل» أخذ سلفة خزينة قدرها مليار وخمسماية مليون دولار، من أجل بناء محطات كهربائية… فأين الدولارات؟ وأين المحطات؟
عاشراً: منذ إقالة الوزير “الآدمي” جورج افرام بدون علمه، إذ سمع خبر إقالته من «الراديو»، وتعيين الميليشياوي إيلي حبيقة مكانه وزيراً للطاقة.. صارت هذه الوزارة حكراً على محور المقاومة والممانعة والتيار العوني.. ولجبران باسيل وزبانيته، فالصهر عيّـن سكرتيرته، وهي عيّـنت سكرتيرها الذي بدوره عيّـن سكرتيره… و«عيش يا بلد».
ولا بدّ هنا من توضيح قضية أثير حولها جدل كبير، وهي أن البعض راح يتساءل: إذا كان المودع وضع أمواله في «البنك»… فلماذا لجأت البنوك الى إقراض الدولة؟
الجواب على هذا التساؤل بسيط… إنّ كل المصارف في العالم، تأخذ بعض الأموال المودعة فيها، ثم تعطيها للدولة أو لجهات أخرى بفوائد معينة. ومن هذه الفوائد، تستطيع المصارف أن تعطي فوائد للمودعين… وإلاّ فكيف تستطيع المصارف أن تأتي بالفوائد لتعطيها للمودعين… وإلاّ أصبحت المصارف مجرّد «خزنة»، لا تستطيع أن تعطي المودعين. إنّ هذا العمل مشروع ومحق، وهو سارٍ في جميع بنوك العالم.
حقاً إنه شيء غريب وعجيب… فعندما أراد الوزير السابق محمد شقير زيادة 5 سنتات فقط على «الواتس آب» – كما ذكرت في هذه المقالة… قامت الدنيا عليه ولم تقعد، كما أذكر عندما أراد الرئيس الحريري زيادة «قروش» على سعر صفيحة البنزين، نادى الغيارى على موازنة الدولة بإسقاط الحكومة… وأسأل أخيراً: كم هو سعر صفيحة البنزين اليوم؟ فعلاً إنه شيء غريب.
هنا، وبعد كل ما ذكرته أقول: إنّ قانون الفجوة المالية أثار موجة واسعة من الاعتراضات حول النسخة الأحدث من هذا القانون، إذ إن هذا القانون يكرّس مقاربة غير متوازنة تنحاز الى الدولة بشكل واضح.. في مقابل تقليص واضح لحقوق المودعين عبر آليات يحذّر من انعكاساتها السلبية على ما تبقى من الثقة بالنظام المصرفي وعلى السلامة المالية العامّة.
لذا أقول: إنّ مسؤولية الدولة عما جرى، واضحة وصريحة. فهي (أي الدولة) تتحمّل وحدها المسؤولية الكاملة، وهي تحاول أن تتهرّب من هذه المسؤولية، وتلقيها على «البنوك» وتتسبّب بتصفية القطاع والقضاء على حق المودعين باستعادة ودائعهم.
وباختصار شديد، أؤكد أنّ «الفجوة» وما قيل عن أسبابها، هي سرقة موصوفة حدثت عن سابق تصوّر وتصميم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.