القطاع المصرفي بعد الهيكلة: دمج طوعي و5 سنوات «سماح»

30

يدرك مصرف لبنان أن القطاع المصرفي غير قادر على استقدام قدر كبير من رساميل جديدة خلال الفترة القصيرة المقبلة لتعويم المصارف. ولذلك يعمل على تعاميم ستسمح للمصارف اللبنانيّة بامتصاص الخسائر وإعادة الرسملة على مدى عدّة سنوات، ووفقاً لمعايير سيضعها المصرف المركزي بنفسه. أما المصارف التي لن تتمكّن من امتصاص هذه الخسائر، فسيكون قدرها الاندماج أو الخضوع لعمليات استحواذ للتمكّن من الامتثال لمعايير عملية إعادة الهيكلة.

في لبنان، هناك 16 مصرفاّ ضمن مجموعة «ألفا»، التي تمثّل مصارف يمتلك كلّ منها ودائع تتخطى الملياري دولار. سبعة منها تمتلك نسبة منخفضة نسبيّاً من التوظيفات في سندات الدين الحكومي وشهادات إيداع مصرف لبنان، أقل من 20% من موجوداتها. وستكون أكثر قدرة على امتصاص الخسائر لاحقاً، بحسب آليات سيضعها مصرف لبنان، وهي: بنك الاعتماد المصرفي، بنك سرادار، بنك لبنان والخليج، البنك اللبناني الفرنسي، بنك بيبلوس، وبنك لبنان والمهجر. مع العلم أنّ بنك الاعتماد المصرفي تحديداً هو المصرف الأقل تورّطاً في أدوات الدين هذه، إذ لا تتخطى نسبة هذه توظيفاته 5 % من موجوداته. مع العلم أنّ هذه الأرقام لا تشمل ودائع المصارف لدى مصرف لبنان، بل تقتصر على التوظيفات في شهادات الإيداع لديه.

وهناك سبعة مصارف «ألفا» أخرى تمتلك توظيفات كبيرة في سندات الخزينة وشهادات الإيداع، تفوق نسبتها 25 % من إجمالي موجوداتها، ستكون الأكثر تحمّلاً للخسائر وفقاً لآليات مصرف لبنان. وقد تحتاج إلى الدخول في عمليات دمج استحواذ للتمكّن من الامتثال لمعايير المصرف المركزي خلال عمليّة إعادة الهيكلة. هذه المصارف هي: فرست ناسيونال بنك، البنك اللبناني السويسري، بنك بيروت والبلاد العربيّة، بنك الاعتماد اللبناني، انتركونتيننتال بنك، فرنسبنك، بنك بيروت، وبنك البحر المتوسط.

من الناحية العمليّة، حضّر مصرف لبنان تعاميم يفترض أن تحدّد طريقة التعامل مع الخسائر الناتجة عن التوظيفات في أدوات الدين السيادي، من خلال تكوين مؤونات معيّنة في ميزانيات المصارف تخصّص لإطفاء هذه الخسائر لاحقاً. لكنّ إصدار هذه التعاميم تأخّر بعد انتظار إنجاز التعيينات في لجنة الرقابة على المصارف والمجلس المركزي. ومن المرتقب أن تصدر هذه التعاميم لاحقاً بعد أن ينتهي من دراستها كلّ من المجلس المركزي ولجنة الرقابة الجديدين.

وبحسب هذه التعاميم، سيترك المصرف المركزي مهلة خمس سنوات للمصارف لتكوين هذه المؤونات، على أن يُترك للمجلس المركزي لمصرف لبنان حريّة تجديد هذه المهلة لمدّة خمس سنوات إضافيّة في حال تبيّـن أنّ المصرف المعنيّ سيحتاج إلى فترة إضافيّة لتكوينها. وبحسب التعميم أيضاً، سيعمد مصرف لبنان إلى تحديد نسب المؤونات هذه دون الامتثال بالضرورة إلى المعايير المحاسبية العالميّة، بالنظر إلى معرفة المصرف المركزي بعدم قدرة القطاع المصرفي في ظروفه الراهنة على تحقيق نسب المؤونات المطلوبة بموجب هذه المعايير. وخلال هذه السنوات، لن يعمل مصرف لبنان على التدخّل في عمليات الدمج والاستحواذ بشكل مباشر، بل سيكتفي بمراقبة إلتزام المصارف بعمليّة تكوين المؤونات، على أن تبادر المصارف بنفسها إلى هذا النوع من العمليات للتمكّن من الالتزام بالمعايير التي وضعها مصرف لبنان. لذا، تقوم هذه الخطة على التعامل المتدرّج والناعم مع هذه الخسائر، في رهان على قدرة المصارف على التصحيح بشكل طوعي على المدى الطويل.

ستبقى قضيّة هذه القروض المتعثّرة مسألة معلّقة في ميزانيّات المصارف التجاريّة، دون أن يتمّ الاعتراف بها كخسائر وقروض متعثّرة.

أما بالنسبة إلى قروض القطاع الخاص، والذي عدّته خطة الحكومة السابقة أحد مصادر الخسائر المتوقّعة للقطاع المالي، فالتعاميم المرتقبة ستعالج هذا الأمر بالطلب من المصارف عدم اللجوء إلى تخفيض التصنيفات الائتمانيّة للشركات والأفراد المتأثّرين بالأوضاع الاقتصاديّة الناتجة عن أزمة تفشي وباء كورونا. وهذا الإجراء سيسمح للمصارف بعدم تصنيف نسبة واسعة من القروض التي تعثّرت نتيجة الظروف الاقتصاديّة السائدة حاليّاً كقروض متعثّرة. وعمليّاً، سيكون بإمكان المصارف نتيجة هذا الأمر تفادي تكوين حجم كبير من المؤونات التي كان يُفترض أن تكوّنها في مقابل الخسائر المتوقعة من تعثّر هذه القروض.

ستبقى قضيّة هذه القروض المتعثّرة مسألة معلّقة في ميزانيّات المصارف التجاريّة، دون أن يتمّ الاعتراف بها كخسائر وقروض متعثّرة، وإن لم تُحصّل في المدى المنظور طبعاً. لكنّ المصرف المركزي يراهن هنا على إمكانيّة التعامل التدريجي معها خلال السنوات المقبلة، خصوصاً أنّ النسبة الأكبر من هذه القروض جرى منحها مقابل رهونات، وهو ما يضمن قدرة على التعامل مع هذه القروض لاحقاً ولو لم يضع المصرف يده على الرهونات في المرحلة الحاليّة.

وهكذا، يبدو أنّ مصرف لبنان بدأ يبلور خريطة طريق سيضعها أمام المصارف لإعادة هيكلة القطاع، مع الابتعاد عن إجراءات وضع اليد على القطاع، من قبيل تحويل ودائع إلى أسهم أو غيرها من أساليب إعادة الهيكلة التي لا يحبّذها حاكم المصرف المركزي. لكنّ خارطة الطريق هذه، وإن راعت عدم قدرة المصارف على إعادة الرسملة واستقطاب رساميل جديدة على المدى القصير، لا تزال تراهن على قدرة القطاع المصرفي على استقدام رساميل على المدى المتوسّط، أي على فترة تتراوح بين 5 و10 سنوات. ويُفترض أن تقوم المصارف خلال ذلك الوقت بتسجيل الخسائر تدريجيّاً وإعادة رسملة نفسها. وعمليّاً، سيحتاج هذا الأمر إلى توفير الثقة لدى المستثمرين المحتملين بقدرة المعالجات المعتمدة على تصحيح الميزانيّات والتخلّص جديّاً من الفجوات فيها، وهذا ما لا تحقّقه كلّ الخطط الموجودة حتى الآن، سواء من جانب الحكومة أو من جانب المصرف المركزي.

علي نور – اساس ميديا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.