اللبنانيون أمام مخاض رفع الدعم… والبطاقة التمويلية ليست الحل: نسبة الفقراء الى 90 % والبطالة أكثر من 35 % والهجرة مستفحلة

54

كتبت ريتا شمعون

طویت صفحة النقاش حول إبقاء الدعم أو وقفه. الأمر حسم. لا تراجع عن قرار رفع الدعم الذي سلك طریقه عملیا قبل الموعد المحدد له في نهایة أیار الجاري حیث تبلغ قطاع الدواجن التریث بأية معاملات جدیدة تتعلق باستیراد لوازم الإنتاج في القطاع على أساس سعر الدولار المدعوم والمحدد بـ3900 لیرة.

هذا یعني أن لبنان دخل النفق إذ سیتحوّل الفقر في أسابیع قلیلة الى واقع. والتقاریر والتحلیلات الإقتصادیة الدولیة التي تحدثت عن نتائج كارثیة على الفقراء والمحتاجین أیضا الى واقع ما لم  تتشكل حكومة وتتخذ إجراءات تخفف من حدّة الأزمة المعیشیة التي ستتولد عن رفع دعم اسعار السلع الاستهلاكية الاساسية..

صحیح أن الوضع العام في لبنان سیاسیا ومالیا وإقتصادیا لا یسمح بالإستمرار في سیاسة الدعم الحالیة «الممولة من ودائع الناس «إلا أن مخاوف عدیدة تدور في فلك قرار رفع الدعم حیث من المتوقع ان ترتفع نسبة الفقراء في لبنان الى ما بین 80و%90 من السكان بحسب الباحث في «الدولیة للمعلومات» محمد شمس الدین.

ويشرح شمس الدین هذا الامر لـ»الشرق» قائلاً: «لا یوجد إحصاءات رسمیة أو موثقة تشیر الى نسب البطالة أو الفقر في لبنان» لافتا الى أنه في العام 2019 كانت نسبة البطالة 25%، وتضاعفت  في نیسان 2021 لتصبح 35 % في حین بلغ عدد العاطلین من العمل  480,000. وھذا الرقم مرشح للإرتفاع في الأشهر المقبلة في حال استمرت الأزمة الإقتصادیة التي تضرب لبنان على حالها.

وتابع: «ھناك قسم كبیر یعیش من عمله الیومي أي أنه یعمل بشكل متقطع وقد یزداد الأمر سوءاً بسبب حدّة الأزمة الإقتصادیة وبالتالي تراجع الأعمال المؤقتة. ھذا الأمر قد یزید أیضا من عدد العاطلين عن العمل في اي لحظة لترتفع نسبة البطالة وتتخطى 35 %.

وتحدث شمس الدین عن معادلة البطالة والفقر، فعندما ترتفع نسبة البطالة وھي مرشحة لأن تصل الى أكثر من 35 % معنى ذلك إرتفاع في معدلات الفقر. واضاف: «الیوم معدلات الفقر في لبنان حوالى 55 % من اللبنانیین المقیمین «ما یوازي نحو ملیونین و365,000 لبناني». وقد شھدت السنوات العشر الماضیة تدھورا عاما في أوضاع كل الفئات الإجتماعیة وھنا بدأ بمقارنة نتائج قیاس خط الفقر التي توزعت على الشكل التالي: شكلت الطبقة الوسطى حوالى 70 %  من الشعب اللبناني و5 % من الأغنیاء والأثریاء فیما الطبقة الفقیرة شكلت 25 % أما الذین یعیشون تحت خط الفقر (لا یكفي دخلھم لتوفیر كمیات الغذاء الضروریة والصحیة) فیشكلون نسبة %10 ومع ما سببته تلك السنوات خصوصا 2019-2020 من أزمات إقتصادیة وإجتماعیة وصحیة إرتفعت نسب الفقر والبطالة وبالتالي إنخفضت نسبة الطبقة الوسطى التي كانت تمثل 70 % الى 40 %  مقابل 55 %  من الفقراء وثبات نسبة الأغنیاء عند 5 %.

وشدّد  على أن لا جوع في لبنان إنما فقر بنسبة مرتفعة ومتجھة نحو تبدلات حادّة بعد رفع الدعم نهائيا فالـ55 من المواطنین الذین لیس لدیهم إمكانیة الصمود والإستمرار سیكونون بأمس الحاجة للمساعدات وبالتالي سترتفع ھذه النسبة لتصل الى 90 %.

وبالأرقام تحدث شمس الدین عن البطالة التي ستؤدي بحسب رأیه حتما الى الھجرة، قائلاً: «من المعروف أن غالبیة اللبنانیین لدیھم الرغبة في الھجرة ھربا من الواقع الإقتصادي المتأزم وبحثا عن مكان أفضل لتأمین المستقبل حیث بلغ عدد المھاجرین والمسافرین في العام 2018 33,000 مھاجر لیرتفع العدد في العام 2019 الى 66,600 مھاجر» مضیفا: «كان من المفترض أن یرتفع العدد أكثر في العام 2020 لكن الإقفال الذي تشھده معظم دول العالم على خلفیة أزمة كورونا والركود الإقتصادي العالمي تلك عوامل حدّت منھا حیث تراجع العدد الى 17,700 مهاجر» متوقعا أن «نشھد أعداداً كبیرة من المھاجرین في ھذا العام». وقال: «لا شك أن ھناك رغبة عارمة لدى العدد الأكبر من اللبنانیین في السفر أو الھجرة لكن الرغبة في السفر شيء والإمكانات شيء آخر» مشیرا الى أن ظروف إقفال المطار وإغلاق دول العالم عام 2020 والركود الإقتصادي العالمي حدّت من ھذه الرغبة بالإضافة الى حجز المصارف على أموال اللبنانیین والتي كان من الممكن أن تستثمر في الھجرة خصوصا أن   الأزمة الإقتصادیة لاتزال تشكل حافزا لھا ولیس خافیا أن سحب مبلغ 10,000 دولار اميركي من المصارف اليوم اصبح امرا مستحيلا.

في السیاسة اعتبر أن «ھناك أربعة أسباب أدت الى أزمتنا الحالیة وھي مزیج من أزمة سیاسیة إقتصادیة مرورا بجائحة كورونا وصولاً الى إنفجار المرفأ».

وقال شمس الدین في سیاسة الدعم: «ھي من البدایة كانت سیاسة خاطئة وھي في حقیقة الأمر أموال المودعین» مشیرا الى ان أموال المودعین الموجودة في المصارف وبالتالي لدى مصرف لبنان ھي ملكھم فلیس لمصرف لبنان (أو الحكومة) أن یستعملھا إلا للدفاع عن الإستقرار الإقتصادي ولیس لدعم السلع الغذائیة الذي سیؤدي حكما الى مزید من الإنهیار.

وللتذكیر یرى ضرورة رفع الدعم كلیا لكن بالمقابل يقدم حلاً وهو «یجب إعادة ضخ العملة الصعبة من أموال المودعین أي أن تحول كل الأموال التي تھدر للدعم الى المصارف التي بدورھا  تضخ العملة الصعبة للمودعین لخلق دورة إقتصادیة وبالتالي من الممكن السماح ولو جزئیا لمن لدیه ودیعة بالدولار أخذ 0,5% من الودیعة عندھا سیتوفر الدولار مجددا ویتراجع سعره أمام اللیرة وبالنتیجة یستفید المودع وكذلك الفقیر الذي سیستفید بدوره من إنخفاض الأسعار خصوصا السلع الغذائیة منھا».

وھنا تطرق الى البطاقة التمویلیة قائلاً: «ما یتم الرھان علیه الیوم على تمویل البطاقة التمویلیة من الإحتیاطات المتبقیة في مصرف لبنان أي من أموال المودعین ھو خطأ كبیر» وللتذكیر تابع شمس الدین «أن أموال الإحتیاطي ھي أموال الناس ولا یجوز التفریط بھا ولا یحق لأحد المس بھا وھي لیست ملكاً لا للمصارف ولا لمصرف لبنان» أما إذا قام المصرف المركزي بطباعة  اللیرة فھذا الأمر سیؤدي الى التضخم وزیادة الأسعار وتراجع قیمة العملة اللبنانیة وعندھا ربما يصبح 95 في المئة من اللبنانيين فقراء. لذلك یضیف أن «الحل لیس البطاقة التمویلیة بل ھو إعادة الأموال جزئیا الى الناس والعمل على خفض سعر الدولار ما عدا ذلك من حلول ستؤدي الى مشاكل أكبر» مؤكدا بالأرقام أن الإرتفاع سیقع بطبیعة الحال على الدواء المدعوم فسیزید سعره من 7 الى 8 أضعاف. أما أسعار المواد الغذائیة غیر المدعومة فسترتفع من 3 الى 4 أضعاف . في ما یتعلق بالبنزین والمازوت والغاز فھذه المواد مدعومة بنسبة 85 % وفقا لسعر  1500 لیرة وفي حال رفع الدعم كلیا سیصبح ثمن صفیحة البنزین نحو 137,000 لیرة، وصفیحة المازوت نحو 110,000 لیرة …ھذا في حال إستقرت أسعار المحروقات عالمیا وثبت الدولار عند حدود 12,000 لیرة. وفي ظل غیاب النقل العام فإن إرتفاع البنزین سیؤدي حكما الى إرتفاع كلفة النقل، وفي حال زاد إنقطاع كھرباء الدولة فإن إشتراك المولد سیتراوح ما بین 500,000 الى 600,000 لیرة مشیرا الى أن إرتفاع المازوت سیؤدي الى إرتفاع النقل أیضا على المواد الغذائیة وعلیه فإن المواد غیر المدعومة من المرجح أن یرتفع سعرھا نظرا لارتفاع كلفة النقل.

وختم شمس الدین قائلاً: «إن الأیام المقبلة على لبنان لن تكون مشرقة» مشددا على ضرورة أن أن تكون الحلول علمیة ولا تتخذ طابع الشعبویة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.