اللبنانيون بين غذاءٍ ملوّث ودواءٍ مزوّر… ودولة غائبة
بقلم دافيد عيسى
في بلدٍ يرزح تحت أزماتٍ متلاحقة على مختلف المستويات، يبرز الخطر الغذائي والصحي كأحد أعتى التحدّيات التي تهدّد المجتمع اللبناني بصمت.
فبعيدًا عن الضجيج والصخب السياسي والاعتداءات الإسرائيلية اليومية المتكررة على جنوب لبنان وبقاعه، وبمعزل عن التجاذبات القائمة بين القوى السياسية، تتسلّل مشكلات التلوّث وسوء الرقابة إلى تفاصيل الحياة اليومية، فتطال ما يأكله المواطن وما يتناوله من دواء، وتضع صحة اللبنانيين أمام واقع يفرض مواجهة جدّية ومسؤولة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأغذية غير المأمونة والملوّثة بالجراثيم والفيروسات والطفيليات تتسبّب بأكثر من مئتي مرض، تتراوح بين الإسهال والسرطان.
فالخضار مثلًا لا تخضع لرقابة حقيقية تكشف مكامن الخطر قبل وصولها إلى موائد الناس.
ورغم الأدلة الكارثية التي تُرى بالعين المجرّدة، لا تزال الوزارات المعنية ومديرية حماية المستهلك والبلديات تدفن رؤوسها في الرمال، وكأن شيئًا لا يحدث، فيما الكارثة تتسرّب بصمت إلى طعام اللبنانيين وشرابهم، وإلى تربتهم ومياههم الجوفية، وفي كل ما يدخل إلى أجسادهم من غذاء يُفترض أن يكون مصدر حياة لا سبب أمراض.
المياه التي يُفترض أن تروي المزروعات باتت ملوّثة بالصرف الصحي، تختلط فيها الروائح الكريهة بالنفايات المتراكمة، وبقايا البراز البشري، وجيف الحيوانات التي تلتصق بضفافها.
ورغم هذا المشهد الصادم، يواصل كثير من المزارعين ريَّ أراضيهم بهذه المياه؛ بعضهم بدافع الجهل، وبعضهم الآخر نتيجة الاستهتار بحياة الناس وطمعًا بالمال.
وكلّ ذلك يحصل في ظل غياب تام للرقابة والمحاسبة.
ويزداد الوضع سوءًا في ظل الظروف غير الصحية داخل مخيمات النازحين السوريين والعمّال المزارعين المقيمين بالقرب من الأراضي الزراعية، حيث تفتقر هذه التجمعات إلى الحد الأدنى من معايير النظافة.
هذا الواقع يسمح بتضاعف التلوّث وتسرّبه بسهولة إلى المزروعات. ومع شحّ المياه العذبة في السنوات الأخيرة، أصبح استخدام المياه المبتذلة خيارًا واسع الانتشار، فتحوّلت المنتجات الزراعية نفسها إلى حاملة للبكتيريا والطفيليات والفيروسات والمواد السامة.
وهكذا يتحوّل الغذاء إلى سمٍّ بطيء يتسلّل إلى كل بيت، فيما لا يدرك المواطن أنه يتناول مع كل وجبة جزءًا من هذا التلوّث الخفيّ.
ولا يقف الخطر عند الغذاء فقط، بل يطارد اللبناني في الدواء أيضًا. فلم تعد الأدوية وسيلة للشفاء، بل تحوّلت إلى سلعة محفوفة بالمخاطر.
فالأسواق تعجّ بأدوية مزوّرة ومنتهية الصلاحية ومهرّبة تُباع بلا ضوابط، وتصل إلى يد المواطن دون أي ضمانة لجودتها أو سلامتها. وبين الفوضى والتهريب، يجد اللبناني نفسه عالقًا بين غذاء يمرضه ودواء قد يزيده سوءًا.
وعلى الرغم من واجب الجهات الرقابية بمنع دخول هذه الأدوية المزوّرة إلى لبنان، إلا أن الواقع يثبت وجود قنوات تسمح بتسرّبها إلى الأسواق، مهدِّدةً حياة المواطنين.
وتضاف إلى ذلك الفضائح المتكرّرة في بعض معامل الألبان والأجبان التي كشفتها تقارير إعلامية وتلفزيونية، والتي تفتقر إلى أدنى معايير النظافة، فضلًا عن بعض المطاعم التي تفتقر إلى الشروط الصحية الأساسية.
كل ذلك يعكس انهيارًا في منظومة السلامة الغذائية، وغيابًا مقلقًا لدور الوزارات المختصة وحماية المستهلك في الدفاع عن أبسط حقوق الشعب في غذاءٍ آمن ودواءٍ سليم.
إن حماية حياة الناس ليست رفاهية ولا وجهة نظر سياسية، بل واجب على الدولة تجاه أبنائها.
وعلى الوزارات المختصة أن تضرب بيدٍ من حديد كل من يعرّض حياة اللبنانيين للخطر.
ولأن المواجهة لم تعد خيارًا بل واجبًا وطنيًا عاجلًا، يفترض بالدولة اعتماد خطة متكاملة للحدّ من الانهيار الصحي والغذائي تقوم على:
١- إطلاق خطة طوارئ وطنية للسلامة الغذائية تشمل مسوحات ميدانية فورية لمصادر المياه والمزارع والأسواق.
٢- إعادة تفعيل المختبرات الرسمية وتزويدها بالتجهيزات والكوادر القادرة على إجراء الفحوصات بشكل منتظم وشفاف.
٣- تشديد الرقابة على عمليات الريّ، وعلى تجمعات النازحين، والمسالخ، والمطاعم، والمصانع الغذائية، مع فرض غرامات والإقفال الفوري للمخالفين.
٤- إنشاء محاكم وهيئات متخصّصة بجرائم الغذاء والدواء لضمان محاسبة رادعة وسريعة.
إن غياب الدولة عن هذا الملف يعني استمرار الموت البطيء الذي يفتك باللبنانيين يومًا بعد يوم.
أمّا التحرك الجدي للوزارات المعنية ومديرية حماية المستهلك فهو وحده القادر على وقف هذا النزيف.
وفي الختام، ما لم تستفق الدولة من غيبوبتها، وما لم تُقطع يد الفساد عن صحة اللبنانيين، سيبقى كل مواطن مشروع ضحية مؤجّلة… والدولة وحدها تتحمّل المسؤولية.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.