الليرة بأدنى مستوياتها التاريخية والدولار عنوان الغضب الشعبي..

29

من الشمال حتى الجنوب بدأ يتقاطر المئات إلى الشارع تعبيرا عن غضب اللبنانيين بعد أن سجل سعر صرف الدولار مقابل الليرة  الثلاثاء انهيارا غير مسبوق بتاريخ لبنان، إذ قفز على عتبة 10 آلاف ليرة مقابل الدولار في السوق السوداء التي تتحكم فعليا بقيمة العملة الوطنية، بعدما صار سعر الصرف الرسمي للدولار (1507 ليرات) مجرد رقم وهمي لا وجود له في الأسواق اللبنانية.

ومقابل هذه المآسي، ثمة مجموعة من العوامل المتشابكة أدت لبلوغ انهيار الليرة هذا المستوى المتدني، من مضاربات في السوق السوداء وشح الدولار، لكن البعض زعموا أن هبوط الليرة إلى 10 آلاف ليرة هو نتيجة التعاميم التي أصدرها مصرف لبنان المركزي، وكان آخرها انتهاء مهلة تطبيق التعميم 154 في 28 شباط الماضي الذي طلب من المصارف زيادة رؤوس أموالها بنسبة 20% وتكوين سيولة بنسبة 3% لدى المصارف المراسلة بالخارج ضمن خطة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

لكن خبير المخاطر المصرفية محمد فحيلي استبعد أن تكون للمصارف يد بارتفاع سعر الصرف الدولار، لأن المصارف قادرة على تأمين سيولتها الدولارية من الخارج لوضعها بالمصارف المراسلة بدون الذهاب إلى السوق السوداء.

ويعتبر فحيلي أن تعميم مصرف لبنان جاء كحل مؤقت بانتظار أن تستيقظ السلطة السياسة للمباشرة بوضع إصلاحات ثم إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي يضع لبنان على سكة النهوض.

ويشرح الخبير  أن التعميم الذي طلب من المصارف زيادة رؤوس أموالها 20% يحمل رقم 567 وصدر في 26آب 2020، بمهلة أقصاها حتى 31 كانون الأول 2020.

أما تعميم 154 فيرتكز على مادته الأولى التي تهدف إلى وضع تقييم شامل وعادل للموجودات والمطلوبات لدى المصارف وفق فحيلي، وعلى أساسه يجب على كل مصرف وضع خريطة طريقه للتعافي، بمعنى تأمين رأس المال كي يمتص خسائره، ثم اتخاذ مصرف لبنان الإجراءات المناسبة المتعلقة بتطبيق أحكامه كدمجها أو تصفيتها، على أن تُدرس حالة كل مصرف على حدة استنادا إلى تقارير «لجنة الرقابة» على المصارف البالغ عددها 64 مصرفا تجاريا منيت بخسائر ضخمة تقدر بـ83 مليار دولار.

بدورها، لا توافق المحللة والصحافية المتخصصة في الشأن الاقتصادي محاسن مرسل على تبرئة المصارف من التلاعب بسعر صرف الدولار، وتؤكد أنه مع انتهاء مهلة التعميم 154 بدأ السوق في منتصف كانون الثاني وبداية شباط يشهد ارتفاعا تدريجيا لسعر صرف الدولار، وكان مصحوبا بحركة شيكات غير طبيعية بدورة السوق السوداء.

وقالت إن انهيار العملة الوطنية يترافق مع شبكة تدير التطبيقات الإلكترونية التي تتلاعب يوميا بسعر الصرف.

وبعيدا عن اتهام المصارف، يذهب المحلل والصحافي المتخصص في الشأن الاقتصادي عماد شدياق إلى أسباب أخرى أدت لارتفاع سعر صرف الدولار، في طليعتها عدم التوازن بين العرض والطلب، معتبرا أن السؤال الأصوب -الذي يعكس حجم التلاعب- هو: لماذا بقي الدولار ما دون 10 آلاف ليرة طوال المدة الفائتة في ظل الاستعصاء السياسي والاقتصادي؟

ويتوقع شدياق أن يكون مصرف لبنان لجأ بطريقة غير معلنة إلى تخفيض دعمه للمواد الأساسية بنسبة 50% نتيجة بدء شح الاحتياطي لديه، مما يرفع طلب المستوردين على الدولار، لا سيما أن السلطة السياسية ترفض تعليق المركزي لدعم السلع خوفا من ردة الفعل الشعبية عليها.

ويرجح شدياق أن يكون للصرافين دورا أساسيا في انهيار العملة، ولا سيما بعدما استدعى القضاء المالي نقيب الصرافين ونائبه في منتصف شباط الماضي مع عدد من صرافي الفئة «أ»، واتهمهم باختلاس الأموال والتلاعب بسعر الصرف، ما قد يدفعهم لمزيد من التلاعب ضمن إطار الضغط السياسي.

وبدأت قيمة الليرة تتهاوى تدريجيا منذ خريف 2019، وترافق ذلك مع الاحتجاجات الشعبية والاستعصاء السياسي وما تبعها من أزمة سيولة حادة وامتناع المصارف اللبنانية عن تزويد المودعين بأموالهم بالدولار.

وفي صيف 2020 بلغ سعر صرف الدولار مقابل الليرة نحو 9800 كرقم قياسي، لكنه عاد وتراجع حينها، واستمر صعودا وهبوطا ضمن معدلات مرتفعة، ثم استقر في الأسابيع الأخيرة بين 8 آلاف و8500 ليرة، قبل أن يقفز فجأة منذ أيام لأكثر من 9 آلاف ليرة، إلى أن لامس أخيرا 10 آلاف ليرة.

وبينما ذهبت بعض التقديرات النقدية السابقة إلى أن هناك نحو 10 مليارات دولار خُزّنت في المنازل بعد الأزمة يعتبر المحلل أن بعض اللبنانيين قد يتحمسون لارتفاع سعر صرف من أجل زيادة قيمة دولاراتهم التي تصلهم من الخارج أو موجودة لديهم، وهذا انعكاس لحجم الكارثة وعبثيتها، وفق تعبيره.

وكشفت أخيرا دراسة «الدولية للمعلومات» أن رواتب اللبنانيين تآكلت لمستويات قياسية، وهي من بين الأدنى عالميا، ليصل الحد الأدنى للأجور نحو 68 دولارا، علما أن القانون اللبناني 46/2017 حدد الحد الأدنى للأجور بـ675 ألفا التي كان تساوي 450 دولارا حسب سعر الصرف الرسمي (1507 ليرات)، لتخسر أخيرا نحو 84% من قيمتها، وهكذا فقدت الرواتب في القطاعين العام والخاص قيمتها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.