“الماتش” الأقوى: بن سلمان & خامنئي

63

بقلم نديم قطيش

كما دائماً، يفتح موسم “المونديال” نوافذ على السياسة. فحكاية الربط بين السياسة والرياضة عامّة، وبين السياسة وكرة القدم خاصّة، هي حكاية الرياضة نفسها منذ نشأتها وتحوُّلها إلى اللعبة الأكثر شعبيّة في العالم.

وُسِمت اللعبة دوماً بأنّها منصّة للقَبَليّة، والاحتجاج، والدعاية العسكرية والسياسية، وتعزيز أنماط الثقافة الذكورية وغيرها. وهي من أكثر الألعاب الرياضية التي تشكّلت فيها الأندية في رحم الاضطرابات السكّانية والهجرة، وارتبطت تالياً، على مستوى اللاعبين والجماهير، بالهويّات الإثنيّة والقومية والدينية والأيديولوجيّات والأحزاب السياسية. وشكّلت الملاعب والمدرّجات منصّات لصعود الأحزاب اليمينية وموجات معاداة المهاجرين، وشكّل الانضواء في متون الجماهير باباً من أبواب الانتماء للهروب من العزلة الاجتماعية.

رفضُ لاعبي المنتخب الإيراني إنشاد النشيد الوطني لبلادهم في أولى إطلالاتهم الموندياليّة كانت رسالة سياسية معبّرة التقطتها وكالات الأنباء ومواقع التواصل الاجتماعي في العالم. أراد اللاعبون أن يعلنوا بشكل جماعي تضامنَهم مع مَن يُقتلون ويُعتقلون ويُقمعون من أبناء شعبهم، المنتفضين بعد مقتل الشابّة الإيرانية مهاسا أميني. أمّا خسارتهم أمام المنتخب الإنكليزي بنتيجة 6-2، فكانت مناسبة سياسية لصحيفة “كيهان”، الأقرب إلى المرشد علي خامنئي، لتشنّ حملة على “أعداء” النظام الإيراني بمانشيت يقول التالي:

“إيران 2 وإنكلترا والسعودية وإسرائيل والخونة الداخليون والخارجيون 6”.

وذهبت “كيهان” في افتتاحيّتها إلى حدّ وصف أعضاء المنتخب الإيراني بـ”عديمي الشرف” لعدم ترديدهم النشيد الوطني، مضيفة أنّ سبب خسارة إيران كانت نتيجة “حرب إعلامية نفسية جبانة وغير مسبوقة ضدّ هذا الفريق” شنّها “تيّار إعلامي سياسي، بدعم من وتنسيق مع مشاهير السينما والرياضة وقنوات الإعلام والتليغرام، وحتى الشخصيات السياسية التي تدّعي أنّها إصلاحيّة”.

قطر “الإيرانية”

في قطر، التي تذهب في العادة بعيداً، في الحرص على كلّ ما يمسّ النظام الإيراني، منع الأمن، خلال مباراة إيران-ويلز، عدداً من الإيرانيين من التلويح بقميص للمنتخب الإيراني يحمل اسم مهاسا أميني عليه، وصودرت من المشجّعين كلّ الأعلام الإيرانية التي تحمل شعارات مؤيّدة للحراك الشعبي، بموجب تفاهمات مسبقة بين الاتّحاد القطري لكرة القدم والفيفا.

في المقلب الآخر، شكّل فوز السعودية على الأرجنتين بنتيجة 2-1، أكثر المفاجآت إثارة في مونديال هذا العام، وهو ما لم يكن في مونديالات كثيرة سبقت. سرعان ما أُدرج الفوز السعودي في سياق الصورة الجديدة التي تشكّلها السعودية عن نفسها منذ صعود نجم وليّ العهد السعودي، رئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان. ولأنّنا نتحدّث عن إيران والسعودية، يصير التناقض بين صورتَيْ البلدين، المولودتين من رحم كأس العالم، بالغ الثراء والإثارة.

قبل سفر المنتخب السعودي إلى قطر، التقاهم وليّ العهد الأمير محمد، داعياً إيّاهم “للاستمتاع” والتخفّف من كلّ أثقال التوقّعات الوطنية منهم ومن أدائهم. أقرّ لهم بصعوبة المجموعة التي يتنافسون مع فرقها الأخرى، وحرّرهم حتى من مسؤولية “التعادل”.. ثمّ كانت مفاجأة الفوز العظيم على واحد من أقوى المنتخبات في العالم. على الأرجح نجحت استراتيجية الأمير محمد، وأثمر “التحفيز المعاكس” في دفع المنتخب إلى تقديم أفضل ما لديه وأكثر. “استمتعوا” كانت الكلمة المفتاح، بظنّي، وهي التي تختصر “عقيدة الفرح” التي تتبنّاها الدولة السعودية الجديدة بقيادة الأمير محمد، في ظلّ أبيه، الملك سلمان بن عبد العزيز.

كلمة السرّ: الفرح

الشعب الذي اختطفت فرحَه سياقاتٌ سياسية واجتماعية ودينية بعد عام 1979، أدّى إليها نشوء أوّل دولة مذهبية معاصرة في الشرق الأوسط، في إيران، واحتلال جهيمان العتيبي للحرم المكّي بغية تأسيس دولة مذهبية مماثلة في المملكة، يعيش اليوم مع محمد بن سلمان تجربة مغايرة تماماً. السعوديون مدعوّون إلى الفرح والانطلاق والتحليق، أقلّه في فضاء الحرّيات الاجتماعية غير المسبوقة. يُضاف الرفاه الاجتماعي إلى الرفاه الاقتصادي، ضمن بنود عقد اجتماعي خاص بين المملكة وشعبها.

يفتخر السعوديون بمحمّد بن سلمان، ويفتخر هو بهم. هذه صورة السعودية التي صدرت عن المونديال. ويخاف علي خامنئي من الإيرانيين، ويخافون هم منه. هذه صورة إيران التي صدرت من المونديال.

المرأة السعودية تفرح وتغنّي وترقص. المرأة الإيرانية تُعتقل وتُقمع وتُقتل.

هذا هو خطّ الانقسام الحقيقي في الشرق الأوسط، الذي تغطّيه أطنان من الكلام عن الانقسام المذهبي وحروب الوكالة الناشئة عنه، أو صراع النفوذ الإيراني السعودي، أو الصراع القومي العربي الفارسي.

خطّ الانقسام الحقيقي هو بين نموذجَيْ حكم اختار واحد منهما “عقيدة الفرح” بكلّ ما تُمليه من تناغم مع العالم وجديده في حين اختار الآخر “عقيدة الموت” بكلّ ما تنشئه من تضادّ مع أيّ آخر وكلّ آخر.

في المونديال، وفيما يعنينا في الشرق الأوسط، صورتان لشرقين أوسطين، تحكيان عن حقيقة المعركة الدائرة فيه:

دولة تستثمر في مستقبل شبابها، وأخرى تقامر بمستقبل شبابها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.