المخطط التوسعي الإسرائيلي والصرخة الإنسانية
المحامي أسامة العرب
تتجه الأنظار اليوم إلى ما تقوم به دولة إسرائيل من مخططات توسعية ممنهجة، تتجاوز حدود الاحتلال العسكري التقليدي إلى مشاريع تهجير واستيطان واضحة المعالم، خصوصاً في الأراضي اللبنانية والفلسطينية والسورية. فالمشهد لم يعد يقتصر على نزاع حدودي أو صراع سياسي عابر، بل بات يحمل ملامح مشروع استيطاني طويل الأمد يسعى إلى إعادة رسم خريطة المنطقة على أسس عقائدية وأمنية تخدم رؤية استراتيجية تتجاوز حدود الدولة القائمة. هذه التوسعات لم تعد خافية على أحد، بل باتت تفضح نفسها بنفسها، ليس فقط عبر العمليات العسكرية الوحشية، بل أيضاً من خلال الخطاب اللاهوتي الاستعلائي الذي تغذيه بعض التيارات الدينية والسياسية داخل الكيان المحتل، والذي يكرّس فكرة «أرض الميعاد» و«التفوق اليهودي» كذريعة لطرد شعوب بأكملها وتدمير قراها ومدنها.
ولعل أخطر ما في هذا الخطاب أنه يحاول تحويل الأسطورة الدينية إلى مشروع سياسي عملي، بحيث يصبح التوسع الجغرافي واجباً عقائدياً، وتتحول الأرض إلى غنيمة تاريخية يُعاد «استردادها» بالقوة. ومن هنا يمكن فهم السياسات الاستيطانية المتسارعة التي تشهدها الضفة الغربية، ومحاولات تغيير الواقع الديمغرافي في القدس، إضافة إلى الاعتداءات المتكررة على الأراضي اللبنانية والسورية. هذه السياسات ليست مجرد إجراءات أمنية كما تحاول إسرائيل تصويرها، بل هي حلقات متصلة في مشروع توسعي أكبر يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض تجعل من أي تسوية مستقبلية أمراً شبه مستحيل.
في العدوان الأخير على لبنان، تكرر السيناريو الغزّي بفارق جغرافي فقط. فقد لجأت إسرائيل إلى سياسة الأرض المحروقة عبر تدمير واسع للبنى التحتية والقرى في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين تحت وطأة القصف العنيف والتهديد المباشر. الطرقات دُمّرت، المدارس أُقفلت، المستشفيات عانت من نقص حاد في الإمكانات، وأصبحت حياة المدنيين معلّقة بين الخوف والانتظار. وتشير التقارير الميدانية إلى ظروف إنسانية قاسية يعيشها هؤلاء النازحون، حيث تحوّلت المدارس والمراكز الاجتماعية إلى ملاجئ مؤقتة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة.
هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة ما يعيشه سكان قطاع غزة منذ سنوات طويلة من حصار خانق وحروب متكررة، حيث تحولت المنطقة إلى ما يشبه «السجن المفتوح» الذي يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان تحت ظروف إنسانية بالغة القسوة. وكأن إسرائيل تعيد إنتاج النموذج ذاته في أكثر من بقعة عربية، بدم بارد وتخطيط مسبق، في محاولة لفرض واقع إنساني وسياسي جديد يقوم على إنهاك المجتمعات المحلية ودفعها تدريجياً نحو الهجرة أو التفكك. والمؤلم في هذا المشهد أن العالم الغربي، الذي يرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، يتعامل مع هذه الجرائم بمعايير مزدوجة. فهو يسارع إلى إدانة أي حادثة فردية أو خرق محدود للقانون الدولي في أماكن أخرى من العالم، لكنه يلتزم الصمت أو يكتفي ببيانات دبلوماسية خجولة عندما يتعلق الأمر بجرائم واسعة النطاق ترتكبها إسرائيل بحق مدنيين عزل. بل إن بعض الدول الغربية لا تكتفي بالصمت، بل تواصل تقديم الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، وتبرر سياساتها تحت شعار «حق الدفاع عن النفس».
إن هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة يكشف أزمة أخلاقية عميقة في النظام الدولي المعاصر. فالقيم الكونية التي طالما تباهى بها الغرب، مثل العدالة وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، تبدو اليوم انتقائية في التطبيق، وكأنها تُمنح للبعض وتُحجب عن الآخرين وفقاً لموازين القوة والمصالح السياسية. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زالت هذه القيم عالمية حقاً، أم أنها تحولت إلى أدوات سياسية تُستخدم لخدمة تحالفات معينة؟
من هنا، لا بد من قراءة التوسع الإسرائيلي كجزء من مشروع استعماري استيطاني مستمر، وليس كصراع حدودي مؤقت. فالتاريخ الحديث للصراع يكشف بوضوح أن المشروع الصهيوني قام منذ بدايته على فكرة الاستيطان والإحلال السكاني، أي استبدال شعب بشعب آخر على الأرض نفسها. وقد تجلت هذه السياسة منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948 عبر تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من قراهم ومدنهم، فيما يعرف بالنكبة، ثم تكرست لاحقاً عبر الاحتلال والاستيطان المتواصل.
اليوم، يبدو أن هذه السياسة لم تتوقف، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة، سواء عبر توسيع المستوطنات، أو فرض الحصار، أو شن الحروب المتكررة التي تدفع السكان إلى النزوح القسري. وفي الوقت نفسه، تستند إسرائيل إلى دعم أميركي شبه مطلق، يظهر بوضوح في استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لإفشال أي قرار دولي يدين سياساتها أو يطالب بوقف العدوان.
لكن رغم قتامة المشهد، هناك بوادر أمل بدأت تظهر في أماكن غير متوقعة. فقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الحركات التضامنية مع الشعب الفلسطيني داخل المجتمعات الغربية نفسها، خصوصاً بين فئات الشباب والطلاب والمثقفين. هؤلاء بدأوا يشككون في الرواية الرسمية التي تقدمها الحكومات ووسائل الإعلام التقليدية، ويطالبون بإعادة النظر في السياسات الغربية تجاه الصراع.
في الجامعات الأوروبية والأميركية، خرجت تظاهرات واسعة تندد بالاحتلال وتطالب بوقف الدعم العسكري لإسرائيل. كما برزت حملات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية التي تهدف إلى الضغط على المؤسسات المتورطة في دعم سياسات الاحتلال. هذه التحركات قد لا تغيّر المعادلات السياسية فوراً، لكنها تشير إلى تحول تدريجي في الرأي العام العالمي، وهو تحول قد يكون له تأثير كبير في المستقبل.
وإذا كانت مؤسسات العدالة الدولية مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية قد واجهت ضغوطاً سياسية حالت دون ملاحقة العديد من الجرائم المرتكبة في المنطقة، فإن الضمير العالمي بدأ يتحرك في اتجاه آخر، اتجاه المجتمع المدني العابر للحدود. فحركات المقاطعة، والمنظمات الحقوقية، والناشطون المستقلون باتوا يلعبون دوراً متزايداً في كشف الانتهاكات وتوثيقها ونقلها إلى الرأي العام العالمي.
إن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد قضية سياسية تخص شعباً بعينه، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى صدقية النظام الدولي والقيم التي يدّعي الدفاع عنها. فهي تمثل اليوم رمزاً للصراع بين القوة والعدالة، وبين منطق الهيمنة ومنطق الحقوق الإنسانية.
لذلك، فإن المطلوب اليوم لا يقتصر على وقف إطلاق نار مؤقت أو حلول سياسية ترقيعية، بل يتطلب رؤية أوسع تقوم على إعادة الاعتبار لمبادئ العدالة الدولية وحق الشعوب في الحرية والكرامة. كما يتطلب من الدول العربية والمجتمعات المدنية إعادة بناء موقف موحد قادر على الدفاع عن هذه الحقوق، ليس فقط من منطلق قومي أو سياسي، بل من منطلق إنساني وأخلاقي أيضاً.
ففلسطين ولبنان لم تعودا قضية لاجئين فقط، بل أصبحت مرآة لضمير الإنسانية جمعاء. ومن يقف إلى جانبهما لا يدافع عن أرض فحسب، بل عن فكرة العدالة ذاتها. أما من يتخلى عنهما، فإنه في الحقيقة يتخلى عن القيم التي يدّعي الإيمان بها، ويترك المجال مفتوحاً أمام عالم تحكمه القوة وحدها، لا الحق.
المحامي أسامة العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.