المفاوضات الأميركية – الإيرانية… أكبر تمثيلية في التاريخ

129

كتب عوني الكعكي

صحيح أن موضوع «النووي الإيراني» سيطر على مساحة واسعة من الاشتباك الديبلوماسي والتفاوض الصعب (كما يقال)، وعلى سياسة الضغوط والعقوبات والمواجهة الباردة خلال فترة ليست بسيطة سبقت التوصل الى الاتفاق حوله في العام 2015. ولكن كل ذلك قد يكون بسيطا مقارنة مع ما تشهده الساحة الدولية حاليا من حماوة «مفتعلة» وتسارع في النقاشات والمتابعات حول الاتفاق، لناحية العودة إليه كما هو، او مع تعديلات أساسية، أو مع إضافة ملاحق او بنود خاصة، او لناحية نسفه من الأساس.

ولكن ما يثير الاستغراب، هو تناقض ما يصرّح به المسؤولون الإيرانيون حول الاتفاق. وقد تبيّن بالفعل ان هناك صراعاً حول مفهوم هذا الاتفاق، داخل ايران نفسها.. لذا فإن تضييق نافذة إنقاذ الاتفاق الإيراني بسرعة، يمكن أن يحسم صراع القوى داخل الجمهورية الإسلامية بين المؤيدين له، والمعارضين المتشددين.. وقد تكون الحقيقة في أن هناك توزيع أدوار للإيرانيين، لتمرير ما يرونه مناسباً في الاتفاق.

كذلك يبدو ظاهريا – على الأقل – ان الموقف في الولايات المتحدة الأميركية منقسم هو الآخر بين الجمهوريين المعارضين للاتفاق، والديموقراطيين المؤيدين له.

وتبدو لي الصورة مغايرة للظاهر، إذ انني أرى في المفاوضات حول الاتفاق… أكبر تمثيلية في التاريخ… فأميركا وإيران متفقتان على الخطوط العريضة للاتفاق، وهما متفقتان أيضا على إظهار المفاوضات وكأنها «عسيرة» وصعبة، لتضليل الرأي العام المتابع لهذه القضية.

إنّ الكثيرين من المتابعين يجهلون أن بين إيران والولايات المتحدة، اتفاقية صداقة قائمة وغير ملغاة من خمسينات القرن الماضي. وإيران تقاضي الولايات المتحدة اليوم، بناء على هذه الاتفاقية في محكمة العدل الدولية في لاهاي.

ولطالما حمل الإيرانيون هذه الاتفاقية أمام هيئة محكمة العدل الدولية، وترافعوا وطالبوا بتطبيق هذه الاتفاقية.

والسؤال الأكيد هو: لماذا لم تعمد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الى الغاء اتفاقية الصداقة هذه؟.. وهنا أذكّر ان أميركا هي التي تخلّت عن شاه إيران، وجاءت بالإمام الخميني من منفاه الى طهران..

أشير هنا الى ان الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب، حين خرج من الاتفاق النووي، ظل التخصيب في إيران مستمرا… وكل شيء «ماشي الحال»، ولولا أن الشعب الايراني عبّر عن غضبه وعدم رضاه باحتجاجات لكانت كل الأمور تسير على ما يرام.

وبناء على ما تقدّم أقول: إن أميركا مطمئنة بأنها عائدة الى الاتفاق، وإيران مطمئنة بدورها، ان إدارة بايدن عائدة إليه ويا «ما أحلى الرجوع إليه».

أميركا لا تريد حسم الملف النووي سريعا، فهي ليست «مستعجلة»، فقط في ما يخص «إسرائيل«، هي غير قادرة على الانتظار، إذا تأكد لديها ان الدولة العبرية في خطر… أما بالنسبة للعرب وللمسلمين فالأمر مختلف.

أميركا تدّعي ان المفاوضات صعبة جداً… وهي تكذب.. وإيران تكذب أيضاً… فلماذا تكذب الدولتان؟!

أميركا… لها أهداف واضحة في الوطن العربي… تريد الهيمنة عليه، من خلال تجزئته وتفتيته وتقسيمه، تشاطرها في أفكارها إيران… وإيران مشهود لها بتقسيم العرب بين سنة وشيعة، لإضعافهم، وإحكام القبضة الفارسية على العالم العربي… والأمثلة على أهداف أميركا… وأهداف إيران واضحة لا تحتمل التأويل:

أولاً: في العراق، فتنة خطرة… فالعراق منقسم على نفسه، حتى ان وزير الدفاع الإيراني، أعلن قبل أيام، أن العراق لم يعد عربيا، وانه بات جزءاً من الامبراطورية الفارسية. كما ان دور الميليشيات التي تعتمد عليها إيران، بات مكشوفا هو الآخر.

ثانياً: في سوريا.. الأمر لا يختلف عمّا هو عليه في العراق… لقد «تناتشت» الأنياب الخارجية سوريا العربية، فراح جزء منها ينوء تحت ثقل الروس، وجزء تحت ثقل إيران والميليشيات التابعة لها من لبنان والعراق، وإسرائيل تحتل جزءاً ثالثاً، وتركيا تسيطر على الجزء الرابع، حتى غدت سوريا أقساما وأجزاء وَنُتَفَاً… والله يستر.

ثالثاً: في لبنان… وفي كل استحقاق تعسرٌ مقصود، والاقتصاد انهار بشكل شبه تام… والوضع المالي على حافة الانفجار، حتى لامس الدولار الأميركي عتبة العشرة آلاف ليرة… والدعم على «كفّ عفريت»… والمحروقات تكاد تحرق اللبنانيين بغلاء أسعارها.

وحدّث عن البطالة والفقر ولا حرج.

رابعاً: اليمن صار يمنين – واحد عاصمته صنعاء يتحكم به الحوثيون وجماعة إيران، وواحد عاصمته عدن… والشعب اليمني يكاد يموت جوعاً…

خامساً: أما في ليبيا… فقد انقسمت البلاد، وتعب العباد، وضاعت الدولة في أحضان المؤامرات الخارجية.

لن أطيل بإعطاء الأمثلة، لأن الأدلة كثيرة جداً، ولكنني سأقول: إن المنطقة تئن تحت «اتفاقات» و«مؤامرات» تُرسم خطوطها «تحت الطاولة»… ظاهرها صراع وباطنها اتفاق..

يا جماعة… انظروا جيداً الى ما يحدث… وحلّلوا الأمور بالمنطق والعقل… ولا تأخذوا بظواهر الأمور، بل فتشوا عن خفاياها، وما هو موجود في الباطن.

ان مهزلة التفاوض، على الاتفاق النووي، بين الولايات المتحدة الأميركية وايران، لعبة ممجوجة ومكشوفة… فالتاريخ يثبت ان الدولتين تسعيان لتحقيق الأهداف نفسها: القضاء على الوطن العربي ووحدته، ووحدة شعبه… تمهيدا لتقاسم السيطرة عليه… وبالتالي، فإن المفاوضات التي يزعم البلدان وضعها في سلّم الأولويات… ليست في الواقع سوى أكبر تمثيلية في التاريخ، شهدها المسرح العربي، على امتداد الوطن العربي كله.

aounikaaki@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.