الملالي في امتحان مهسا أميني – 2

40

بقلم د. سمير صالحة

«أساس ميديا»

العنصر الشبابي في جيلَيْ «زد» و»ألفا» ومَن يسير وراءهما مِن الذين يرون العالم بأعين مغايرة عبر الفضائيّات ووسائل التواصل الاجتماعي هو الذي يساهم في الحراك هذه المرّة. بدل أن يهاب شرطة الأخلاق ويتجنّبها كما كان يفعل في السابق، يتحدّاها ويقترب منها بلا غطاء رأس ووجوه مقنّعة.

تحتاج مراكز دراسات صنع القرار في رئاسة الجمهورية والبرلمان والخارجية الإيرانية إلى إقناع مراكز صنع القرار في قم و»مركز دراسات مجمّع تشخيص مصلحة النظام» بمراجعة سياساتها وتغيير مواقفها وأساليبها والإصغاء إلى مطلب الشارع واحتياجاته بقدر ما تجهد للدفاع عن السياسة الإيرانية في الخارج عبر الميليشيات والأجنحة السياسية والفكرية التي تموّلها هناك.

ترى القيادة الدينية في إيران أنها قادرة على ضبط الأمور في الداخل وإلزام الجميع بما تقوله وتريده. ويعوّل النظام على البقاء سليماً معافى في مواجهة حركات التجديد والتغيير عبر أدواته الأمنية التي تدفعه إلى أن يكون أكثر عنفاً وصرامة. لكن ما يفوتهما هو أنّ عنصرَيْ الشباب والمرأة اللذين دعما احتجاجات عام 1979 التي أدّت إلى سقوط نظام الشاه هما في الطرف الآخر هذه المرّة، وأنّ المهدَّد هو البنية الاجتماعية نفسها التي تتلقّى ضربات تزيد من الشرخ والتباعد بين فئات المجتمع الإيراني والمؤسّسة الحاكمة.

الغرب والنظام الإيراني

من سخريات القدر أن يلوّح الرئيس الإيراني بصورة قاسم سليماني من على منصّة الجمعية العامّة للأمم المتحدة بوجه المجتمع الدولي، وأن يمزق ألوف المتظاهرين في المدن الإيرانية صور الرجلين معاً خلال موجات الاحتجاج العنيفة التي أدّت إلى سقوط العشرات بين قتيل وجريح.

لعب النظام الإيراني دوراً محوريّاً في المقايضة الإقليمية المتعدّدة الجوانب والأهداف مع الغرب في العقدين الأخيرين. أعطى الغرب ما يريده لناحية موازنة العلاقات السياسية والدينية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة، وجعل الغرب من طهران «الفزّاعة» والورقة الرابحة بيده يستخدمها عند اللزوم لمحاصرة العديد من دول المنطقة، بما فيها عواصم عربية وتركيا وإسرائيل أحياناً. فهل من مصلحة مراكز القرار الغربي التي فتحت الطريق أمام إيران للتوغّل في لبنان وسوريا والعراق واليمن أن تُسقط النظام في طهران قبل إيجاد البديل المناسب؟

من الممكن للغرب أن يتمسّك بإيران، ومن الممكن أن يلوّح بأوراق معاقبتها إذا ما قرّرت الخروج عن الدور المحدّد لها. لكنّه لن يتخلّى عن هذه القوّة الضاربة والمخفر المتقدّم قبل أن يعثر على البديل المناسب. إنّ ما قد يُخرج النظام في إيران من محنته حسب العواصم الغربية هو تقديم المزيد من التنازلات والتعهّد بعدم التنكّر للمعروف الغربي الذي أوصله إلى ما هو عليه اليوم، والمهادنة في الملفّ النووي.

المحصّلة هي مواصلة الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية منذ حوالي أسبوعين، وارتفاع عدد القتلى والجرحى يوماً بعد آخر من دون انسحاب المتظاهرين. فالصرخة الجماهيرية يشارك فيها عنصر الشباب بكثافة وحماسة. شكل الحملات المنظّمة على مواقع التواصل الاجتماعي، ورقعة الانتشار الجغرافي والعرقي والديني والاقتصادي التي تشملها حركات التمرّد والعصيان. وكذلك التضامن الحاصل مع الداخل من قبل الخارج الإيراني في العواصم الغربية، وتحريك الرأي العامّ العالمي حيال ما يجري، ومبادرة بعض الدول بشكل رسمي إلى دعوة القيادة السياسية في طهران إلى الابتعاد عن أساليب القمع واللجوء إلى القوّة في مواجهة المحتجّين.

هذه كلّها مؤشّرات تؤكّد أنّ توقيف واعتقال قرابة 1,500 شخص، بينهم الناشطة البرلمانية السابقة فائزة رفسنجاني ابنة هاشمي رفسنجاني، وأكثر من 200 ناشط وإعلاميّ، بذريعة «تحريض مثيري الشغب»، لن تكفي النظام. فالانتفاضة ستكون أكثر إيلاماً للنظام، وتحتاج إلى ما هو أبعد من اللجوء إلى الأساليب الكلاسيكية في التعامل مع الاحتجاجات في الشوارع، وخطوة إلى الوراء لن تكفيه ولا بدّ من تقديم تنازلات أكبر تطمئن المحتجّين وتعيدهم إلى منازلهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.