“النووي” صفة الأمين العام للأمم المتحدة الجديد؟
بقلم جوزفين ديب
«أساس ميديا»
في عالم يتبدّل بسرعة، لم يعُد الملفّ النوويّ قضيّة تقنيّة تُناقَش داخل أروقة الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة، بل تحوّل إلى عنوان سياسيّ مركزيّ يعيد رسم موازين القوى العالميّة. مع تصاعد الحديث عن احتمالات تطوير أسلحة نوويّة خارج الأطر السلميّة، وخصوصاً في ما يتعلّق بإيران، يصبح السؤال النوويّ مدخلاً لفهم مرحلة دوليّة جديدة، تتقدّم فيها اعتبارات القوّة على حساب الضوابط التقليديّة.
منذ توقيع الاتّفاق النوويّ عام 2015، دأبت الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة على تأكيد التزام إيران الشروط المفروضة عليها، وهو ما استمرّ حتّى سنوات قريبة. إلّا أنّ اللافت، قبيل اندلاع المواجهة الأخيرة تحت عنوان “النوويّ الإيرانيّ”، كان التحوّل في لهجة التقارير من تأكيد الطابع السلميّ إلى التشكُّك في إمكانية توجّه البرنامج نحو أهداف عسكريّة.
لم يكن هذا التحوّل تقنيّاً بحتاً، بل عكس تغيّراً في البيئة السياسيّة الدوليّة، حيث لم يعد كافياً الالتزام الشكليّ، بل باتت النوايا نفسها موضع مساءلة.
إيران: بين امتلاك القدرة وقرار التّصنيع
في موازاة ذلك، يتصاعد الحديث عن أنّ إيران باتت تملك كلّ المكوّنات التقنيّة اللازمة لإنتاج سلاح نوويّ، وهو ما يضعها في مرحلة “العتبة النوويّة”، أي أنّ الفارق لم يعُد في القدرات، بل في القرار السياسيّ بالانتقال إلى التصنيع. يفتح هذا الواقع الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، حيث يصبح الردع قائماً على احتمالات غير معلنة، لا على وقائع مثبتة.
في هذا السياق، يبرز اسم المدير العامّ للوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية، رافاييل غروسي، كأحد الوجوه الدوليّة التي تستعدّ للمرحلة المقبلة. يمتلك الرجل الذي يقود الوكالة في فيينا خبرة تقنيّة عميقة في الملفّ النوويّ، فيما يحتاج النظام الدوليّ إلى شخصيّات قادرة على فهم تعقيدات هذا النوع من التهديدات. لقد تدرّج غروسي في مسار مهنيّ لافت، من تمثيل بلاده الأرجنتين دبلوماسيّاً في فيينا، إلى العمل مديراً لمكتب المدير العامّ للوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة السابق، اليابانيّ يوكيا أمانو (Yukiya Amano)، وصولاً إلى تولّيه إدارة الوكالة الذي وضعه في قلب المشهد النوويّ الجيوسياسيّ.
مع اقتراب نهاية ولاية الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش، دخل اسم غروسي بقوّة في التداول كخلف محتمل، مستفيداً من عاملين أساسيَّين:
• أوّلاً: تحوّل الأولويّات العالميّة نحو الأمن والتكنولوجيا والسلاح.
• ثانياً: التوازنات الدوليّة التي قد تفتح المجال أمام شخصيّة من أميركا اللاتينيّة.
عندما وصل غوتيريش إلى الأمانة العامّة، كان العالم يعيش على وقع عناوين إنسانيّة كبرى: الغذاء، الصحّة والتنمية. أمّا اليوم فقد تغيّرت الأولويّات جذريّاً وباتت ملفّات السلاح والذكاء الاصطناعيّ والتكنولوجيا العسكريّة تتصدّرها.
يفرض هذا التحوّل، بطبيعة الحال، تغييراً في طبيعة القيادة الدوليّة، فالأمين العامّ المقبل لن يكون فقط دبلوماسيّاً، بل مطالب بأن يكون ملمّاً بتوازنات القوّة التقنيّة والعسكريّة.
إسرائيل خارج الرّقابة: النّوويّ الصّامت؟
إذا كان الحديث عن النووي الإيرانيّ يتصدّر المشهد الدوليّ، فإنّ السؤال الأعمق يتّصل بازدواجيّة المعايير التي تحكم هذا الملفّ من جهة، ويطال مسألة من يمتلك شرعيّة الحديث عن الخطر النوويّ في المنطقة من جهة أخرى. بينما تُفرض قيود صارمة على إيران لمنعها من تطوير سلاح نوويّ، تبقى إسرائيل خارج أيّ رقابة دوليّة فعليّة، على الرغم من امتلاكها ترسانة نوويّة غير معلنة.
تنطلق هذه المقاربة من عدم وجود إسرائيل في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويّة، وبالتالي هي غير خاضعة لنظام الضمانات الشامل التابع للوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، أي أنّها لا تلتزم أحكامها قانونيّاً، بما في ذلك حظر امتلاك الأسلحة النوويّة أو إخضاع جميع منشآتها النوويّة للرقابة الدوليّة الشاملة.
في كواليس العالم النوويّ، يُقال إنّ إسرائيل تمتلك قدرات نوويّة عسكريّة، لكنّها تتبع سياسة “الغموض النوويّ” (nuclear opacity)، فلا تؤكّد ولا تنفي ذلك رسميّاً. نتيجة لذلك، تبقى منشآتها الحسّاسة خارج نطاق التفتيش الدوليّ الشامل.
من هذه الزاوية، يصبح لبنان لا غيره في موقع متقدّم لرفع الصوت حيال المخاطر النوويّة، ليس فقط من باب الموقف السياسيّ، بل انطلاقاً من معطيات جغرافيّة وأمنيّة مباشرة. لبنان يجاولا إسرائيل الدولة الخارجة عن نظام الضمانات الشامل التابع للوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، تضمّ منشآت نوويّة حسّاسة، من بينها مفاعل ديمونا، وهو ما يجعل أيّ خلل أو تصعيد مرتبط بهذا الملفّ تهديداً مباشراً لأمنه وسلامة أراضيه وسكّانه.
في هذا السياق، اكتسب الدور اللبنانيّ بعداً إضافيّاً من خلال رئاسة لبنان للدورة الثالثة للمؤتمر المعنيّ بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النوويّة وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط الذي انعقد في نيويورك عام 2023، وهو إطار متعدّد الأطراف يُشكّل أحد المسارات القليلة الباقية لمعالجة الخلل البنيويّ في نظام عدم الانتشار على المستوى الإقليميّ.
لقد اتّسمت الرئاسة اللبنانيّة للمؤتمر حينها بالخروج بورقة عمل مهّدت الطريق لنقلة نوعيّة في مسار إنشاء المنطقة المنزوعة السلاح، عبر الانتقال من المبادئ العامّة إلى مناقشة شكل الصكّ الدوليّ المُنشئ لهذه المنطقة، في خطوة جدّيّة لنقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى الالتزامات القانونيّة.
حرص لبنان خلال رئاسته على تسجيل بصمة واضحة، موجّهاً رسالة سياسيّة مفادها أنّ الدعوة إلى نزع السلاح لا يمكن أن تكون “a la carte” (حسب القائمة)، وعليه لا مجال لأيّ مزايدة في هذا الشأن، وخصوصاً من قبل أطراف تمتلك بالفعل ترسانات نوويّة، إذ لا يستقيم أن يجتمع امتلاك السلاح مع ادّعاء التظلّم تحت ذريعة التهديد الأمنيّ.
في المقابل، بقيت إسرائيل الطرف الوحيد الذي يتغيّب عن اجتماعات هذا المؤتمر، على العكس من إيران، مع أنّ مقعدها محفوظ والدعوة موجّهة إليها بشكل دائم من أمانة المؤتمر للمشاركة والتعبير عن هواجسها. يُنظر إلى هذه الدعوات المتكرّرة على أنّها مبادرة حسن نيّة تهدف إلى إدماج جميع الأطراف في مسار تفاوضيّ شامل، إلّا أنّها لم تلقَ استجابة حتّى تاريخه.
لا يقتصر أثر هذا الغياب على تعطيل مسار دبلوماسيّ بعينه، بل يُكرّس أيضاً واقعاً غير متوازن في بنية الأمن الإقليميّ، حيث تستمرّ حالة الاستثناء النوويّ خارج أيّ إطار مساءلة أو التزام، في مقابل إخضاع برامج أخرى لأعلى درجات التدقيق والرقابة.
أداة حرب أم معادلة ردع؟
في المقابل، تخضع إيران لرقابة مشدّدة لا تقتصر على قدراتها التقنيّة، بل تمتدّ إلى نواياها السياسيّة. هذا ما يجعل ملفّها النوويّ ساحة صراع مفتوح يتجاوز الجانب التقنيّ إلى أبعاد استراتيجيّة أوسع تُترجم حاليّاً في الحرب الأميركية الإيرانية التي تستمرّ مفاوضاتها بحذر شديد.
إلى جانب الملفّ النوويّ في مفاوضات هذه الحرب، يشكّل برنامج الصواريخ البالستيّة الإيرانيّ عنصراً أساسيّاً في ورقة التفاوض باعتباره أساسيّاً في معادلة الردع في الحسابات الإيرانيّة. حتّى في غياب السلاح النوويّ، تمنح هذه الصواريخ إيران قدرة على التأثير الإقليميّ، وورقة ضغط في أيّ مواجهة. بالتالي تقاطع النوويّ مع الصواريخ في بناء معادلة ردع معقّدة في المنطقة يجعل من أيّ تصعيد مخاطرة غير محسوبة، وقد تكون هذه الحرب دليلاً على ذلك.
في هذا السياق، يبرز سؤال جوهريّ: هل يؤدّي التلويح باستهداف البرنامج النوويّ إلى تسريع وتيرة الحرب أم إلى كبحها وفرض مسار تهدئة؟
غالباً ما ينطوي هذا التهديد على طبيعة مزدوجة، فمن ناحية قد يشكّل محفّزاً للتصعيد نتيجة حسابات الردع المتبادل وسوء التقدير، ومن ناحية أخرى قد يفرض منطق الاحتواء ويدفع الأطراف إلى وقف إطلاق النار، إدراكاً لحساسيّة هذا الملفّ وما ينطوي عليه من مخاطر وجوديّة. يختزن التاريخ المعاصر شواهد دامغة على الكلفة الإنسانيّة الكارثيّة المرتبطة بالانشطار النوويّ، سواء في الاستخدام العسكريّ (الأمن النوويّ) أو في الإخفاقات التقنيّة (الأمان النوويّ)، وهي كلفة تجاوزت حدود الدول لتطال الضمير الإنسانيّ، وأسّست لتحوّل عميق في الوعي الدوليّ حيال ضرورة إخضاع هذا السلاح لأشدّ الضوابط صرامة، بوصفه سلاحاً لا يهدّد الخصوم فحسب، بل يضع مستقبل الإنسانيّة برمّته على المحكّ.
لم يعد الملفّ النوويّ في الشرق الأوسط قضيّة انتشار سلاح، بل تحوّل إلى معادلة توازن دقيقة بين إيران وإسرائيل تحكمها اعتبارات الردع أكثر من القوانين الدوليّة. في ظلّ هذا الواقع، لا يتعلّق السؤال الحقيقيّ بمن يملك السلاح، بل من يملك القدرة على استخدامه أو منع استخدامه. بين تقارير الوكالة الدوليّة وصعود أسماء مثل رافاييل غروسي، يبدو أنّ العالم يتّجه نحو نظام جديد عنوانه الأبرز: من يملك المعرفة النوويّة يملك القرار.
جوزفين ديب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.