الوجع يوحّد اللبنانيين والشعب يقلب الطاولة

30

ظنّ أهل الحكم لوهلة انهم قادرون على تطبيق النموذج البريطاني في لبنان وعلى استنساخ تجربة رئيسة الوزراء مارغريث تاتشر «المرأة الحديدية»، وهي التي اتخذت قرارات موجعة وتدابير مؤلمة غير شعبية فرضت تنفيذها في المملكة المتحدة، بالقوة، لانقاذها من الموت المحتّم اقتصاديا، وقد أدارت ظهرها لموجات الاحتجاج العارمة التي قامت ضدها آنذاك.

الا ان هؤلاء، يبدو فاتهم ان ليس من «حقّهم» حتى التفكير بالامتثال بهذا «السيناريو». فالاطراف السياسيون أنفسهم الذين يحاولون اليوم وضع خطط للخروج من المأزق غير المسبوق اقتصاديا وماليا، يمسكون بمقاليد السلطة منذ عشرات السنوات، وهم بأنفسهم يتحمّلون مسؤولية ايصال البلاد الى هذا الدرك من الافلاس والتردي.

الناس أعطتهم الفرصة تلو الاخرى في الانتخابات النيابية، وأوصلتهم الى حيث هم، معوّلين على وعودهم المتكررة بالاصلاح والتغيير والانتفاض على السياسات القديمة. غير ان ايا منهم لم يف بتعهّداته. وبعدما مننّوا النفس بوضع موازنة عام 2019  بعد سنوات من الصرف على القاعدة الاثني عشرية، بدأوا يتحدثون عن نفَس جديد سيطبع موازنة 2020. قالوا بصراحة «نعم ستتخللها تدابير قاسية، لكنها ستترافق مع اصلاحات جذرية، بما يضع القطار الاقتصادي على سكة النهوض من جديد».

1 Banner El Shark 728×90

رضي الناس مرة أخرى.. فكانت النتيجة ان طارت الاصلاحات ولم يبق منها الا بعض البنود النظرية التي لا يعرف احد متى يمكن ان تنتقل الى التنفيذ الحقيقي، وبقيت الضرائب. هذا ناهيك عن توجه نحو الاقتطاع من رواتب القطاع العام ومخصصات المتقاعدين، لخفض نفقات الخزينة، مع العلم ان الجهات السياسية نفسها كانت أدخلت الى الدولة آلاف الموظفين من المحسوبين عليها، رغم قرار وقف التوظيف، وذلك عشية الانتخابات النيابية الاخيرة في ايار 2018، لاكتساب ود الناخبين.

كل ذلك حصل فيما الشعب يعاني من «حصار» مالي نقدي خانق جراء اختفاء الدولار من الاسواق، يترافق مع ازمات تصيب قطاعات حيوية من البنزين الى الخبز فالدواء…

الدولة العاجزة عن ايجاد اي حل جذري لهذه المصائب، لم «تستتر». بل قررت منذ ساعات فرض ضريبة على مكالمات واتساب في خطوة غريبة مثيرة للعجب لم تسبقها اليها اي دولة – وهنا ايضا لا يحق لنا ان نقارن نفسنا بالامارات- ففاضت كأس الناس التي ضاقت ذرعا بفشل الحكومة في الكهرباء والمياه والنفايات والطرقات- ونزلت الى الشارع. هنا، لا حسابات طائفية او مذهبية او سياسية او حزبية. هنا، وجع فقط، نقمة وقرف.

الطاولة انقلبت، نعم. الشعب قلبها على الجميع. لم يحتج لا الى قائد ولا الى حزب. لم يعر اهتماما لوجود هذا الطرف الذي يؤيد، او ذاك، داخل الحكومة. كلمته واحدة: ارحلوا.. فشلتم!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.