«انتهى العهد الاسود»…

120

بقلم القاضي پيتر جرمانوس

في علم القيادة هنالك نوعان من القادة. منهم من يدفعون مجتمعاتهم نحو التطوّر والازدهار مثل نيلسون منديلا، مهاتما غاندي، مهاتير محمد، الشيخ زايد… ومنهم من يأخذون شعوبهم إلى البؤس والدمار مثل ساني أباشا، معمر القذافي، روبير موغابي، عمر البشير… وميشال عون.

تجربتي الشخصية، وكمراقبٍ للحالة اللبنانية، دفعتني إلى وصف ميشال عون بالمدمّر. هذا القائد السيّئ، ألحق الأذى بلبنان وشعبه كما لم يفعل أي قائد لبناني من قبله. نادرًا ما يتمكّن فردٌ من التأثير بهذا القدر من السلبية على مجتمعٍ ما، ويبقى رغم كلّ الدمار والمآسي التي أنتجها يتمتّع بحدٍّ أدنى من الشعبية «الموتورة» أو «المبنّجة» العاجزة عن رؤية وتقييم كمّية الضرر الذي تسبّب به رجل واحد. حتى بات أهل الاختصاص يصفون حركته السياسية بالبدعة ومناصريه بالأتباع.

في عهد الإمبراطورية الرومانية كان يُمنع الضابط المهزوم أو الذي يقع أسيرًا من تحمّل أي مسؤولية قيادية، فيما تمّ «تأليه» عون من قبل مناصريه بالرغم من خسارته لكلّ الحروب المجنونة التي أطلقها يمينًا ويسارًا مدفوعًا بغريزة إجرامية قلّ نظيرها، أليس هو من قال: «بيروت دمّرت سبع مرّات ولتكن الثامنة»، «سنذهب إلى جهنم» وعبارات أخرى، إن دلّت على شيء، فعلى النفسية «الشيطانية» أو الفيض الشرير الذي سكن هذا الرجل.

عون نتاج حرب لبنان وهو أيضًا نتاج حزب الكتائب. لمن لا يعرف، فهو أحد رجالات بشير الجميّل في الجيش اللبناني. رجلٌ لكلّ الولاءات ولكلّ الأزمنة. أتى تعيينه قائدًا للجيش، وهو في رتبة عقيد، بناءً على إصرار عبد الحليم خدّام، وموافقة كلّ من نبيه برّي، ووليد جنبلاط وكميل شمعون. كان الرجل يتواصل مع الجميع، إذ إن عقيدته الوحيدة هي الوصول، وعقدته ما كان يُطلِق عليه متهكِّمًا اسم «العائلات». كان يرى في شخصه مزيجًا من طانيوس شاهين ونابليون. كان يعتقد أنه المخلّص والمنقذ وإن الله اصطفاه لمهمة تاريخية.

اِستفاد من اهتراء عهد أمين الجميّل ومن الصراعات المسلّحة داخل حزب الكتائب وتعب الناس من الانتفاضات المتتالية وبالأخصّ من هزيمة المسيحيين وتهجيرهم من الشوف وشرق صيدا. أثناء ذلك السقوط المدوي، كان الرجل يعبّد طريقه نحو القمة. لم تحسن يومًا القيادات المسيحية قراءة شخصية ميشال عون. منهم من استخفّ به كونه موظّف دولة ومنهم من استهان بدهائه، نعم دهائه، فالرجل في ما يتعلّق بمصلحته الشخصية داهية، وبل ضابط دموي لا يتردّد لحظة في الإجهاز على خصومه.

قاد عون الانقلاب على الشرعية بمساعدة بعض الضباط المغمورين، بذكاءٍ قل نظيره مفشّلًا مبادرة مورفي-الأسد مدخلًا البلد بعنق الزجاجة. أحكم قبضته على الجيش اللبناني أو جزء منه وتحالف مع ياسر عرفات وصدّام حسين الذي دفع له الأموال وزوّده بالسلاح، وأعلن حرب التحرير على جيش حافظ الأسد والميليشيات اللبنانية المتحالفة معه بأكبر عملية عسكرية فاشلة عرفها التاريخ. فالجيش اللبناني المنضوي تحت سلطة عون لم يكن ليشكّل قوّة فرقة واحدة من الجيش السوري المسلَّح والمدرَّب من قبل السوفيات.

قصده الوزير فؤاد بطرس مستفسرًا عن خلفية إعلان حرب التحرير فأجابه الضابط المغمور الذي أصبح رئيس حكومة انتقالية: «سأجبر الولايات المتّحدة على تغيير سياستها في الشرق الأوسط»! فهم فؤاد أنه كان يتكلّم مع شخص «مجنون». كانت النتيجة بالطبع أن قام الجيش السوري بتدمير المنطقة المسيحية الصغيرة. وبدأت رحلة التهجير الجديدة، إنما هذه المرّة من قلب جبل لبنان الشمالي. شاهدتُه مرّة في منزل القاضي أسعد جرمانوس، وكان يتباهى بقصف قبر نظيرة جنبلاط! لم أفهم في حينه علاقة قبر «الست نظيرة» بموضوع تحرير لبنان من الجيش السوري.

اِنتهت «حرب التحرير» بهزيمةٍ نكراء للجيش الشرعي المتواجد في المنطقة الشرقية، إلّا أن عون ليس من الأشخاص الذين يعترفون بهزائمهم، فبدأ رحلة التفتيش عن حربٍ جديدة يسطّر فيها مآثر نابليون أو المدمّر. بعد أن قام بتدنيس الصرح البطريركي، ما لم يسبقه عليه إلّا المماليك، لم يجد من خصمٍ له أفضل من سمير جعجع. الشاب جعجع كان مثقلًا بحمل حرب الجبل والانتفاضات المتعاقبة ومعزولًا من حزب الكتائب الذي ولد من رحمه. جعجع والقوّات اللبنانية تحوّلوا في عقل عون إلى الذبيحة المثالية.

أطلق الجنرال عون «حرب توحيد البندقية» التي عُرفت بـ»حرب الإلغاء» معتقدًا أنه سيحسمها بظرف ساعات، فكانت المأساة الكبيرة. قَتَلَ عون خيرة الشباب المسيحي، دمّر مناطق عين الرمّانة، الدورة، القليعات وأحدث هجرةً غير مسبوقة بظلّ انعدام سبل الحياة. في تلك اللحظة بالذات حوّل عون المنطقة الحرّة إلى جحيمٍ حقيقي، إلى جهنمٍ حمراء. ثم توقّف القتال بسبب فقدان المقاتلين كما المال. بدأ عون عندها يتلقّى المساعدات من الجيش السوري عن طريق حليفه إيلي حبيقة. عندما استمرّ برفض التسويات الإقليمية والدولية، حسم الجيش السوري الوضع عسكريًا في غضون دقائق، وهرب إلى السفارة الفرنسية تاركًا وراءه الأبطال والأرامل.

يروي ضابطٌ فرنسي التقيتُ به على مأدبة عشاء في بيروت أنه عندما تمّ إخلاء عون من السفارة، وفي طريقه إلى البحر «رطّب» سرواله بقدر ما كان خائفًا. كلّ من عرفه عن قرب كان يعلم أنه لم يكن رجلًا شجاعًا. رغم هزيمته النكراء وبوصوله إلى فرنسا، بقي يحرّض الشباب اللبناني على المحتلّ السوري غير آخذ بالاعتبار مستقبل هؤلاء وأمنهم. المهمّ أن بناته هو كن بآمان.

شيطن رفيق الحريري، شيطن الياس الهراوي، شيطن الطائف وللأسف جاراه «اليمين المسيحي» في كلّ تصرّفاته السلبية تجاه نظام الطائف المدعوم دوليًا، ما أعطى عون شرعيةً مسيحية ووطنية ما لبث أن استثمرها فور اغتيال رفيق الحريري.

اِعتقد المسيحيون، وعن حسن نيّة، أن عون غربي. فلقد أقنعهم أنه بفضل شهادته أمام الكونغرس الأميركي تمّ سحب الجيش السوري من لبنان، إلّا أن لقاءاته مع الإيرانيين في سويسرا ومع رجال الأسد في فرنسا لم تكن خافية. رجع عون إلى لبنان سوريا وانتظر ساعته التي دقّت مع الاتّفاق الرباعي الذي جمع ابن رفيق الحريري مع حزب الله. شدّ عون العصب المسيحي موهمًا المسيحيين أن هناك اتّفاقًا إسلاميًا جديدًا يستهدف دورهم وحضورهم، فالتفّوا من حوله كالسيف القاطع وبدأت رحلة جديدة من الجنون.

أول عمل تدميري خطير قام به عون هو الذهاب مع حزب الله ونصب نحو ستمئة خيمة في الوسط التجاري لمدينة بيروت أهمّ نقطة تجارية في الشرق الأدنى. عون كان يريد تدمير إرث رفيق الحريري في حين أن حزب الله كان يرغب بفك عزلته، فاجتمع الإثنان على قرار تدمير العاصمة، وهكذا حصل. كما أقدم عون على تغطية أعمال القتل التي استهدفت قيادات 14 آذار بما فيها قتل صديقه جبران التويني، وابن ولي نعمته بيار أمين الجميّل. ثم بلور بدعة «المشرقية» وأصبح يتردّد إلى براد مزوّرًا تاريخ مار مارون ومستهدفًا مجدّدًا كرامة الصرح البطريركي.

بعدها دخل عون إلى جنّة السلطة، وبدأت إشارات النعمة الحديثة تظهر على أفراد عائلته حتى وصوله إلى سدّة الرئاسة الأولى. في الدقيقة الأولى لوصوله، بدأ العمل لتأسيس عائلة سياسية ولتوريث زوج ابنته وأولاده وأقاربه الكرسي والمال. فتبيّن أن الرجل لم يكن يكره «الإقطاع السياسي» بقدر ما كان يغار منه. لقد أراد إنشاء سلالة جديدة: سلالة آل عون. ولم لا؟ وهل جنبلاط أهم منه أم فرنجية؟ هذه كانت طريقة تفكير ميشال عون وقد ساعدته على ذلك الثروة الضخمة التي جمعها له صهره المدلّل باسيل والتي انتهت به إلى أن يكون أول شخص في الشرق الأوسط يتمّ إدراجه على لائحة ماغنيتسكي.

من على كرسي القيادة وكالعادة المعتادة، وبعد أن أحاط نفسه بمجموعةٍ من المهرّجين والوصوليين و»الدحلانيين» أخذ عون كلّ القرارات الخطأ، فمدّد خلافًا للقانون لحاكم البنك المركزي بتأثيرٍ مباشر من إثنين من أتباعه، وقّع على قانون سلسلة الرتب والرواتب الكارثي، أعطى الضوء الأخضر للتشهير بالقضاء، ضغط بواسطة صهره المفضّل على حسّان دياب للامتناع عن دفع سندات اليوروبوندز وإعلان إفلاس لبنان، تلكّأ بالدفع باتّجاه إصدار قرار بتقييد حركة رأس المال، دافع عن سياسات الدعم الانتحارية وعجز عن ضبط الحدود… كان لزوم ما لا يلزم، بل أسوأ من أسوأ فراغ.

غادر عون قصر بعبدا للمرّة الثانية والبلد يسجّل أسوأ انهيار اقتصادي واجتماعي على الكوكب. مجدّدًا صار حلم اللبنانيين الهروب من جحيم عون. عون الذي لم يستقوِ يومًا إلّا على المسيحيين مستضعفًا إياهم ضاربًا في الجولة الأولى بندقيتهم العسكرية وهيبة البطريركية المارونية، وفي الثانية دورهم الاقتصادي والمؤسّساتي داخل الدولة اللبنانية.

إذا أردنا تصنيف أسوأ قادة العالم العربي من دون شك سيذكر التاريخ ميشال عون في طليعتهم. إنه النكبة التي لحقت بالمسيحيين واللعنة التي ضربت لبنان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.