باريس مرتاحة لإدارة بايدن: التحاور مع طهران نووياً والتضييق عليها سورياً

64

باريس – بشارة غانم البون:

مضى أكثر من شهر على دخول الرئيس جو بايدن الى البيت الابيض. فما هو تقويم باريس الاولي لمسار العلاقات الفرنسية – الاميركية بعد تسلم الادارة الديموقراطية الجديدة مهامها الرسمية؟ وما هي مقاربات الجانبين لملفات إيران وسوريا ولبنان؟

“الإرتياح سمة ظاهرة يعبّر عنها المعنيون بملف العلاقات الفرنسية – الاميركية، برغم القلق الظاهر إزاء إحتمال زيادة المخاطر على صعيد الوضع الجيوسياسي الدولي وحال عدم الاستقرار على الصعيد الاستراتيجي بفعل اغتنام بعض القوى الدولية (روسيا) والإقليمية (تركيا) رغبة الولايات المتحدة بفك ارتباطها بالازمات الخارجية عموماً إضافة الى تفاعل الازمتين الصحية (كوفيد -١٩) والاقتصادية اللتين تعصفان بالعالم كله.

وبرغم التوجه الاوروبي عموماً والفرنسي خصوصاً نحو تعزيز عملية بناء السيادة الاوروبية المشتركة، إقتصادياً وصحياً وتكنولوجياً وعسكرياً، فإنّ باريس تسعى الى تفعيل الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن خصوصاً بعد خروج دونالد ترامب ووصول جو بايدن الى البيت الابيض. ما يشجع على هذا التوجه الفرنسي هو “التغيير الجذري” الذي طرأ على صعيد التعامل الثنائي مع الولايات المتحدة، أكان لجهة “المعرفة الشخصية” بالمعنيين بالملفات الخارجية وسهولة التواصل معهم او على صعيد “التناغم الفكري” حيال عدد كبير من القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الحليفين القديمين الفرنسي – الاميركي.

وتأخذ باريس في الاعتبار ان تجدد إهتمام إدارة بايدن بالحليف الاوروبي وتعزيز العلاقات مع دول الاتحاد، بعكس سياسة إدارة ترامب القائمة على شعار “اميركا اولاً”، لا يعني تخلي بايدن عن التوجه الاستراتيجي لاستعادة الولايات المتحدة “دورها الريادي والقيادي” في العالم.

ولكن بعيداً عن تدعيم الشراكة الاطلسية بين الشريكين الاوروبي والاميركي وتعزيز التعاون بينهما على صعيد القضايا الحيوية الدولية (المناخ، التجارة الدولية، العلاقات مع الصين، الخ)، ما هي الحال بالنسبة الى الازمات التي تهم منطقة الشرق الاوسط وشعوبها؟

أولاً، الملف الايراني، ويأتي في أولويات الإهتمام الاميركي – الفرنسي على الصعيد الاقليمي، وبرغم فشل محاولة جلوس الايرانيين والاميركيين حول طاولة (٥+١) حتى الآن، يبدو ان هناك إرادة جدية في ايجاد طريق توصل الى مخرج للأزمة المحيطة بالاتفاق النووي مع طهران “الذي أبقي قيد التنفس الاصطناعي لمدة اربعة اعوام”. ولا تخفي الاوساط المطلعة على مجريات هذا الملف ان هناك “تجاذبات وعقبات داخلية ومواقف مترددة” في كل من واشنطن وطهران ينبغي تجاوزها. والسؤال المطروح هل سيكون بالإمكان رسم هذا الطريق قبل الانتخابات الايرانية المقبلة في حزيران/ يونيو المقبل أم لا؟

اذا كانت القوى الغربية تسلم بالوجود العسكري الروسي في سوريا، إلاّ انها تريد الحد من الوجود الايراني وجعله يقتصر على تقديم الدعم للنظام عبر خبراء ومستشارين ومساعدات لوجستية ايرانية. وبذلك يتم التضييق على النفوذ الايراني غربياً واحتوائه روسياً.

في غضون ذلك، يبدو ان باريس لا ترغب في لعب “دور منفرد” كوسيط بين واشنطن وطهران، بل تفضل ان يتم هذا العمل عبر “تحرك ثلاثي فرنسي – ألماني – بريطاني”. وهي ترى ان مثل هذا التحرك الثلاثي الموحّد يمتلك “قوة إقناع”، ومن شأنه ايضا ان يحمل رسالة حازمة الى طهران للحؤول دون الذهاب في التصعيد، وفي الوقت نفسه تقديم مشورة ونصائح الى واشنطن لإيجاد الطريق الملائم للتوصل الى اتفاق جديد.

في السياق ذاته، ترددت معلومات ان مفاوضات بعيدة عن الاضواء حصلت بين الاميركيين والايرانيين فور صدور نتائج الانتخابات الرئاسية الاميركية، اي ان بايدن لم ينتظر موعد تسلمه مهامه رسميا، وحسب المعلومات إياها، حصلت هذه المفاوضات في مدينة اوروبية وقد تحققت خلالها اكثر من خطوة متقدمة بين الجانبين، علما ان هذا الحوار بين الجانبين انطلق من عند المرحلة الاخيرة التي كان بلغها الاتفاق النووي قبل دخول ترامب الى البيت الابيض، اي من لحظة إنتهاء ولاية الرئيس الاسبق باراك اوباما.

ثانياً، الملف السوري، وقد رأت فيه أوساط فرنسية “مثالاً وترجمة لعدم الاستقرار وحالة الفوضى الدولية”، هذا الوضع سمح لدول الجوار السوري “بالتدخل في الازمة السورية وصب الزيت على النار”، واعترفت بأنّ غياب الحضور الاوروبي الفاعل على الارض “لم يمكن دول الاتحاد من إثبات كلمتها ولا من دفع الولايات المتحدة الى وضع ثقلها في الميزان من اجل تحقيق ميزان للقوى يساعد على الذهاب نحو الحل السياسي”.

وأشارت الاوساط الفرنسية الى ان هذا الملف لا يتصدر اولويات الادارة الاميركية الحالية، إلاّ ان الاخيرة تلقت رسالتين من نظيرتها الفرنسية يتمحوران حول الآتي: رسالة اولى مفادها انه ينبغي عدم التغاضي عن عودة تنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش) من خلال إعادة تنظيم صفوفه في غرب العراق وشرق سوريا (البادية) وبالتالي ضرورة الإبقاء على حضور قوات التحالف الضاغط في كل من سوريا والعراق، الرسالة الثانية، مفادها ان جميع الفرقاء على الارض في سوريا باتوا منهكين، وأنّ روسيا وإن تمكنت من إحراز نجاح عسكري إلاّ انها لم تتمكن من تحقيق الاستقرار السياسي.

لذلك، فإنّ الاوساط الفرنسية ترى انه ينبغي اغتنام هذه الفرصة للجلوس حول الطاولة (الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الاوروبي وبعض دول المنطقة المعنية) وذلك من اجل خوض “مفاوضات اكثر جدية وفاعلية” من تلك التي تتم في جنيڤ وتتمحور حول المرحلة الانتقالية، ربطا بموعد الانتخابات الرئاسية السورية في ايار/ مايو المقبل.

وفي خط مواز لهذا التحرك الديبلوماسي، وصلت معلومات الى باريس ان الادارة الاميركية الجديدة رسمت قواعد للإشتباك في سوريا مع خطوط حمراء، وخلاصتها وضع الحدود السورية المشتركة مع كل من اسرائيل والعراق بعيداً عن نفوذ ايران وحلفائها. هذا التوجه الاميركي يحظى بدعم اوروبي وتفهّم روسي. وإذا كانت القوى الغربية تسلم بالوجود العسكري الروسي في سوريا، إلا انها تريد الحد من الوجود الايراني وجعله يقتصر على تقديم الدعم للنظام عبر خبراء ومستشارين ومساعدات لوجستية ايرانية. وبذلك يتم التضييق على النفوذ الايراني غربياً واحتوائه روسياً.

ثالثاً، الملف اللبناني، تشير الاوساط الفرنسية الى ان الادارة الاميركية الجديدة تفرّق في توجهاتها لبنانياً بين نظرتين، الاولى، تتعلق بالموقف من حزب الله والثانية تتعلق بالازمة اللبنانية بشكل عام.

بالنسبة الى حزب الله، فإنّ النظرة الاميركية حياله لم تتغير عن الادارة السابقة وإن اصبحت اقل تصلبا، ولكن من دون اي تفريق بين الجناحين العسكري والسياسي.

اما بالنسبة الى الازمة اللبنانية الحالية المتعددة الوجوه، فإن الامر الذي تغيّر هو “التأييد الواضح والصريح” من قبل ادارة بايدن للتحرك الفرنسي الذي بادر إليه الرئيس ايمانويل ماكرون منذ اكثر من ستة اشهر، اي غداة انفجار مرفأ بيروت في ٤ آب/ اغسطس ٢٠٢٠.

وكشفت هذه الاوساط الفرنسية ان واشنطن تراجعت الى حد ما عن توجهات ادارة ترامب السابقة التي كانت تراودها مشاريع “لقلب الطاولة اللبنانية من خلال ترك هذا البلد يسقط في حال من الانهيار الكامل بشكل يتم معه التخلص من هيمنة حزب الله وتسلطه على الوضع الداخلي”، ويبدو ان بعض الدول الخليجية (السعودية والإمارات تحديدا) “كانت تحبّذ الخيار الترامبي”.

وتقوم الاستراتيجية الفرنسية الحالية المدعومة اميركيا حيال لبنان على تفعيل مؤسسات الدولة اللبنانية من خلال المباشرة بتنفيذ الاصلاحات الاساسية المطلوبة في مختلف القطاعات الحيوية على اساس ان ذلك هو “الطريق الاصلح والافضل لتعزيز سيادة الدولة واحتواء الخارجين عن سلطتها اضافة الى إبعادها عن ضغوط التدخلات الخارجية”.

يبقى ان علامات التغيير الاكثر وضوحا في السياسة الاميركية الجديدة حيال منطقة الشرق الاوسط ستكون، حسب هذه الاوساط الفرنسية، في كيفية التعامل مع دول الخليج العربي وفي مقدمها السعودية ودولة الامارات.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.