«باسيل» سياسيّ لبنانيّ أم كائن فضائيّ؟

101

عماد الدين أديب «اساس ميديا»

كان ونستون تشرشل يقول: السلطة هي حلم كلّ سياسيّ، ولكن يبقى السؤال: وفق أي شروطّ؟

هنا يبرز السؤال الكبير: إذا كان معالي جبران باسيل يسعى إلى السلطة من خلال الحصول على منصب رئيس الجمهورية المقبل، فهل في ذلك أيّ لوم أو خطأ أو خطيئة؟

الإجابة المباشرة: من حقّ معاليه أن يسعى إلى الترشّح ما دامت تنطبق عليه شروط الدستور.

معاليه مسيحي، ماروني، وزير سابق، نائب، حاصل على شهادة الهندسة، وحتى الآن لا توجد أيّ موانع قانونية تمنع ترشّحه.

أزمة معاليه أنّه يؤمن بأنّ الترشّح يأتي بالوراثة لكونه متزوجاً ابنة الرئيس.

أزمة معاليه أنّه يؤمن بأنّ الصوت المسيحي وحده هو صاحب الحقّ الحصري في تقرير مستقبل لبنان.

أزمة معاليه أنّه يؤمن بأنّ الموارنة وحدهم دون سواهم هم «معمل» صناعة الزعماء.

أزمة معاليه أنّه يؤمن بأنّ التيار الوطني الحر، الذي يرأسه، هو وحده دون سواه صاحب الامتياز الحصري في تمثيل طائفة المسيحيين الموارنة في السلطة.

أزمة معاليه أنّه يؤمن بأنّه هو الفرد الواحد الوحيد المنفرد المؤهّل لقيادة البلاد والعباد.

ولأنّه يؤمن بهذه الضلالات السياسية التي تُعبِّر عن نفسيّة تعيش في عالم خاصّ بها بعيد تماماً وكلّيّاً عن حسابات الواقع، قرّر معاليه أن يفعل كلّ شيء وأيّ شيء، وبأيّ ثمن، كي يصل إلى منصب الرئاسة.

قاعدة القوّة لدى معاليه هي أنّه رئيس مجلس إدارة قصر بعبدا، بمعنى أنّه الرئيس الظلّ الذي يتعيّن على أيّ قرار كبير أو صغير (…..)، فيه تعيينات إدارية أو توظيفات حكومية، أن يمرّ من خلاله، ويحصل على «بركته» السياسية.

هذا كلّه خلق حالة يعرفها كلّ سياسيّ في لبنان، وهي أنّ قرار الرئاسة في لبنان له قناة واحدة اسمها جبران باسيل.

حتى القضايا، التي يقتنع بها فخامة الرئيس مع غيره من الساسة عند اتصاله أو لقائه بهم، ويمنح موافقته المبدئية أو حتى النهائية عليها، يعود بعد مراجعة معاليه إلى إلغائها أو تأجيلها أو تعديلها.

من هنا لا يمكن أن تتمّ عمليّات إرساء الكهرباء، أو الطرق أو السدود أو المحاجر والمرافئ، أو استيراد البترول والمازوت إلا عبر إرادة ومصالح معاليه.

هو موجود في كلّ قرار عبر «بعبدا»، وعبر وجود «عمّه» في جلسات مجلس الوزراء، وعبر كتلته البرلمانية في المجلس.

إنّها جمهورية جبران، وليست جمهورية لبنان.

قوّة جبران من عمّه، وقوة عمّه من دعم حزب الله، وقوة حزب الله من إيران.

إذن، معاليه هو وكيل عن عمّه الوكيل عن الحزب الوكيل عن إيران.

هنا يُصبح «المُشغِّل الرئيسي» لجبران هو رجل قابع في طهران.

لذا يُخطئ مَن يعتقد أنّ جبران هو وحده صاحب المصلحة في تعطيل تشكيل حكومة بلا ثلث معطِّل، وتضمّ اختصاصيين غير حزبيين.

قرار تعطيل الحكومة مرتبط بالأجندة الإيرانية في المفاوضات النووية في فيينا.

لبنان هو ورقة من أوراق الابتزاز النووي التي تستخدمها إيران في صفقة المقايضة مع الدول الـ»5+1».

هل لدى إيران، وحزب الله، وسوريا، وميشال عون والتيار الوطني الحر جميعهم مجتمعين القدرة على تنصيب جبران باسيل رئيساً لجمهورية لبنان؟

الإجابة لديها ثلاثة عناصر:

1- حسابات القوى.

2- الكتلة التصويتية في البرلمان.

3- الرأي العام اللبناني ككلّ.

يخطىء معاليه في اعتقاده أنّ الدعم الحالي الذي يحصل عليه في «حياة الجنرال»، متّعه الله بالصحة والعافية، سيستمرّ كما هو في حال رحيله.

ويخطئ معاليه في ظنّه أنّ أركان التكتّل (التيار الوطني الحر، أنصار سوريا، حزب الله) لن يبيعوه لِمَن يعطيهم ميزات سياسية أفضل عندما تحين لحظة الاختيار والمفاضلة لمنصب الرئيس.

ويخطئ معاليه إذا اعتقد أنّه زعيم شعبوي جماهيري يجمع بين شعبية فؤاد شهاب وانضباط إلياس سركيس والخبرة المحليّة لإلياس الهراوي.

يخطئ معاليه إذا اعتقد أنّه قادر صباح اليوم أن يسير بحراسة أو بلا حراسة في منطقة «الجمّيزة» أو «وسط بيروت» أو «الشوف» أو «طرابلس» أو «صيدا».

يخطئ معاليه إذا اعتقد أنّه يمكنه أن يحصل على مقعد الرئاسة وهو يهمّش نصف تيّاره وبقيّة الموارنة وكلّ المسيحيين، وغالبيّة السُنّة ومعظم الدروز وبعض الشيعة.

لا يمكن، حسب تركيبة لبنان، أن يأتي رئيس الجمهورية إلا بصيغة توافقية.

ولا نريد أن نعكّر صفو معاليه إذا قلنا إنّه يحصل دائماً في كلّ استقصاءات وأبحاث الرأي العام على الترتيب الأول في تصنيف السياسي الأكثر كراهية في لبنان.

المذهل أنّ كل ما يفعله معاليه من كيد سياسي، واغتيال معنوي لمعارضيه، وتعطيل كامل إلى حدّ الشلل لمؤسسات الدولة عبر سيطرته على قرار بعبدا، لن يساعد أو يُمهّد له الطريق لمقعد الرئاسة.

بالحسابات السياسية والمنطقية الإنسانية فإنّ جبران باسيل يتآمر على مستقبله السياسي بفاتورة باهظة يدفع ثمنها 4,5 ملايين لبناني.

إنّها لحظة تاريخية تواجه كلّ صاحب سلطة على أيّ مستوى، وتنطبق عليها مقولة «مونتسكيو» الخالدة: «إذا أردت أن تعرف أخلاق أيّ رجل، فضَعْ السلطة بين يديه، ثمّ أنظر كيف يتصرّف».

إنّها عبث العبث، واللامنطق في علم المنطق الإنساني.

ذلك كلّه يوصلني إلى قناعة كنت أشكّ فيها لزمن طويل، فتأكَّدَتْ بعد إفشال حكومة الحريري الأخيرة، وهي: «إنّ هناك شكّاً كبيراً في أنّ حسابات جبران السياسية لا علاقة لها بعلوم البشر. إنّها حسابات كائن فضائيّ».

«اساس ميديا»

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.