بركات لـ«الشرق»: سحوبات الدولار في الأشهر الأخيرة 8 مليارات دولار والتعاون مع صندوق النقد يجب أن يتجاوز المشورة الى برنامج إنقاذ

122

كتبت ريتا شمعون:

لاحديث في لبنان الرسمي والشعبي هذه الأيام إلا عن ديون لبنان الخارجية «اليوروبوندز» التي تستحق في شهر آذار والأشهر الثلاثة المقبلة وهي ديون تزيد على 2.5مليار دولار أميركي ،والسؤال هل أن الحكومة ستقوم بسداد الديون في ظلّ حالة شبه الإفلاس التي تعاني منها الخزينة العامة ؟وهل النقاش الذي دار في أروقة السراي الحكومي بين الحكومة ووفد صندوق النقد الدولي قي جولته الأولى تركّز فقط على الخيارات المتوفرة والخيارات الممكنة الضيقة من أجل إنقاذ لبنان من الإنهيار الكبير ؟

في هذا الوقت خفضت وكالة Standard & Poor’s تصنيف لبنان الى CC/C توقعا لإعادة هيكلة الدين مع نظرة مستقبلية سلبية ،وكذلك خفضت وكالة Moody’s تصنيف لبنان الى CA والنظرة المستقبلية الى مستقرة وعزت خفض التصنيف الى توقع أن يتكبد الدائنون من القطاع الخاص خسائر كبيرة في حالة إعادة هيكلة الدين الحكومي.

وفيما النصائح تأتي من كل حدب وصوب ،يفترض أن يكون لبنان قد إستمع الى الإستشارة الفنية من صندوق النقد الدولي في خلال زيارته الى لبنان تلبية لدعوة رسمية تلقاها من الحكومة اللبنانية.

الدكتور مروان بركات،مدير عام مساعد ورئيس قسم الأبحاث لدى بنك عودة رأى في حديث لـ»الشرق»أن التخلف عن سداد ديون لبنان الخارجية يشكل حدثا جللا تتوجب مقاربته بكثير من الدقة، وأضاف: إن مهمّة صندوق النقد الدولي في الوقت الراهن استشارية بحتة لاستقصاء الوسائل المتاحة للخروج من الأزمة الاقتصادية. واعتبر أن التعاون مع الصندوق يجب أن يتجاوز المشورة إلى برنامج إنقاذ شامل ينخرط فيه الصندوق. وقال :»لا شك بأن دعم الوضع المالي والنقدي في لبنان بات ضرورياً اليوم لإرساء التوازن الاقتصادي المنشود بشكل عام. ورأى أن هناك حاجة ملحّة لاحتواء تراجع احتياطيات مصرف لبنان الأجنبية باللجوء إلى الدعم الخارجي، لاسيما وأنه يقع على عاتق مصرف لبنان التمويل بالعملات الأجنبية لواردات لبنان من القمح والأدوية والبنزين ودفع الفوائد على سندات اليوروبوندز، إضافةً إلى تمويل شراء المشتقات النفطية لمؤسسة كهرباء لبنان، ما يشكل احتياجات تمويلية سنوية بالعملات الأجنبية بما يقارب 10 مليارات دولار، وذلك على أساس فرضية مبادلة سندات اليوروبوندز المستحقة خلال العام بسندات أطول أجلاً.

وتابع : من أجل سدّ هذه الفجوة لحين استعادة الثقة، يحتاج لبنان إلى اللجوء للدعم الخارجي، والمطلوب هنا تأمين التمويل من قبل صندوق النقد الدولي في مرحلة لاحقة بما يقارب عشرة أضعاف حصّة لبنان لدى الصندوق والبالغة 880 مليون دولار (أي 8.8 مليارات دولار)، وذلك ضمن خطة متكاملة تؤدي إلى تصحيح الوضع المالي وإرساء الهبوط الآمن على صعيد المالية العامة.

وعن مدى إمكانية الحكومة اللبنانية في مواجهة الإستحقاقات المالية قال: في الواقع» إن المطروح اليوم هو إعادة جدولة الدين العام أو إعادة هيكلته بالتفاهم مع الدائنين في سياق برنامج شامل لإدارة الدين العام وإرساء سيناريو الهبوط الآمن لاحتواء الاختلالات البنيوية على صعيد القطاع العام لضمان خفض تدريجي في العجز المالي العام وفي المديونية. وعليه، فإن التصحيح المرجو على صعيد المالية العامة يجب أن يتأتّى عن عدد من التدابير التي تتمحور بشكل خاص حول تقشف في الإنفاق العام، تعزيز تعبئة الموارد، مكافحة التهرب الضريبي، إصلاح قطاع الكهرباء، وتحقيق بعض الوفورات في خدمة الدين العام، ناهيك عن خصخصة بعض المؤسسات العامة. وهي كلّها تدابير ملائمة لوضع نسبة المديونية في لبنان على سكة المسار التنازلي المنشود وإنما يتطلب ذلك وقتاً واتصالات وآليات تتطابق مع المعايير الدولية ومع المقاربات المماثلة التي اعتمدتها دول أخرى وتستدعي الاستعانة بالجهات الدولية المختصّة من أجل بناء برامج مالية ونقدية ذات صدقية. عليه، وفي انتظار مثل هذه الخطة الشاملة لإعادة هيكلة الدين العام وإدارته، لا ينبغي على لبنان أن يتخلف في الوقت نفسه عن التزاماته في استحقاقات سندات اليوروبوندز، مع الأخذ بعين الاعتبار أن سجل لبنان حافل في احترام التزاماته وفي عدم تخلّفه عن السداد حتى يومنا هذا. من هنا، نرى وجوب سداد استحقاق آذار في موعده والشروع فوراً في الإجراءات المطلوبة لمعالجة ملف الدين العام بكامله، حمايةً لمصالح المودعين ومحافظةً على بقاء لبنان ضمن إطار الأسواق المالية العالمية وصوناً لعلاقاته مع المصارف المراسلة وجُلَّها من الدائنين الخارجيّين. وبالتالي فإن التخلّف عن سداد ديون لبنان الخارجية يشكّل حدثاً جللاً تتوجّب مقاربته بكثيرٍ من الدقة والتحسّب، ومن الطبيعي أن الفترة المتبقّية حتى استحقاق الدين في آذار هي فترة قصيرة جداً لا تتيح التحضير والتعامل المناسب مع هذه القضية الوطنية المهمة.

وأضاف : إن مهمة بعثة صندوق النقد الدولي التي وصلت الأسبوع الماضي إلى لبنان محصورة في تقديم استشارة تقنيّة بطلب رسمي من الحكومة اللبنانية تبيّن فيها السيئات والإيجابيات المترتّبة على القرار التي ستتخذه الأخيرة لجهة سداد سندات اليوروبوندز في موعدها أو عدم سدادها والمساعدة في إعداد خطة إنقاذ اقتصادية شاملة. وبالتالي فإن الاعتماد الكليّ على ما ستتبلّغه الحكومة من بعثة الصندوق في غير محله لأنها ليست صاحبة الشأن في أن تقول كلمة الفصل لجهة السداد أو عدمه. ومن غير الجائز أن تتعامل الحكومة مع وصول بعثة الصندوق على أنها تحمل معها الحلّ السحري من أزمته الاقتصادية المستفحلة، فالمسؤولية المترتّبة على الخيار النهائي في خصوص سداد سندات الدين أو حتى لجهة إطلاق خطة إصلاحية إنقاذية تقع على عاتق الحكومة اللبنانية بشكل عام وعلى وزارة المال ومصرف لبنان بشكل خاص. من هنا، فإن الحديث عن احتمال تعرّض السيادة اللبنانية للخرق من قبل المؤسسات الدولية من خلال فرض شروط تمسّ السيادة غير واقعي.

وأكد «أن المخارج ما زالت متاحة وتحقيق سيناريو الهبوط الآمن ما زال ممكناً، إذا تمّ اتخاذ خيارات وتدابير جذرية من قبل واضعي السياسات. فالأرقام ما زالت قابلة للاحتواء إذا صدقت النوايا، وخصوصا في حال أُطلقت عجلة الإصلاحات الهيكلية بشكل ملائم.

وتابع : «في هذا السياق، يتعيّن على الحكومة الجديدة أن تواجه عدد من التحديات الماكرو اقتصادية الرئيسية: أولاً، تصحيح الاختلالات الخارجية التي تفاقمت لاسيما وأن النموذج القائم على استدامة العجز التجاري الملحوظ بالاعتماد على تدفقات الأموال الوافدة لم يعد قابلاً للاستمرار نظراً إلى التراجع الملحوظ في حركة التدفقات المالية. عليه، فإن الأولوية تكمن هنا في إعادة تحفيز التدفقات المالية الوافدة وخفض الواردات وتعزيز الصادرات. في الواقع، هناك إمكانية لتحقيق توازن في ميزان المدفوعات من خلال تخفيض حجم الواردات بنسبة 40% وزيادة الصادرات بنسبة 20% وذلك رغم فرضية التراجع في حركة الأموال الوافدة بنسبة تقارب 25% خلال العام الجاري. إن المطلوب هنا أولاً قوننة حركة الرساميل الخارجية في العام 2020، على أن يتم تحريرها تدريجياً بدءاً من العام 2021 إذا تحسّن عامل الثقة. لذلك من المهم إصدار قانون تشريعي يضبط حركة الرساميل ويتضمن وضع قائمة بالتحويلات الطارئة مع تحديد سقوف عليها، فرض قيود على استيراد السلع التي لها بدائل محلية الصنع، تسهيل تمويل استيراد المواد الأولية للإنتاج المحلي، بالإضافة إلى فرض قيود على التحويلات الخارجية للعمال الأجانب العاملين في لبنان.

ثانياً، إن تصحيح اختلالات المالية العامة أمر ملحّ جداً. إذ لا يمكن للبنان أن يحافظ على استقراره النقدي والمالي مع نسبة مديونية تصل إلى 153% من الناتج وهي ثالث أعلى نسبة في العالم، ومع نسبة في العجز المالي العام تناهز 8% من الناتج وهي بين العشر الأول في العالم، خصوصاً أن النموذج القائم حول تمويل العجز المالي العام عن طريق نمو الودائع غير قابل للاستدامة مع انخفاضٍ صافٍ في الودائع المصرفية في العام المنصرم. من هنا ليس أمام الدولة خيار سوى تخفيض احتياجاتها التمويلية في المدى المنظور. بالتالي فإن التصحيح المرجو على صعيد المالية العامة يجب أن يتأتّى عن عدد من التدابير التي تتمحور بشكل خاص حول تقشف في الإنفاق العام، تعزيز تعبئة الموارد، مكافحة التهرب الضريبي، إصلاح قطاع الكهرباء، وتحقيق بعض الوفورات في خدمة الدين العام. إن المطلوب هنا البدء بتقشف جذري في الإنفاق العام من خلال تجميد الرواتب وتخفيض النفقات غير الثابتة (أي خارج الأجور والرواتب وخدمة الدين والتحويلات لمؤسسة كهرباء لبنان) بنسبة لا تقلّ عن 20%. هذا بالإضافة إلى إصلاح قطاع الكهرباء عبر بناء محطات الطاقة اللازمة، وضمان الكهرباء على مدار 24 ساعة ورفع رسوم الكهرباء بنسبة 45% وتقليص الخسائر التقنية وغير التقنية، ومن شأن هذه العوامل مجتمعةً أن تساهم في تحقيق توازن في مالية مؤسسة كهرباء لبنان خلال فترة زمنية لا تتعدّى الثلاث سنوات. وينبغي أن يترافق ذلك مع خفض في نسب خدمة الدين في العام 2020، في حين يُعاود مصرف لبنان اكتتابه في محفظة سندات الخزينة بفائدة 1% في العام 2020. أما على صعيد الإيرادات، فإن المطلوب هنا من أجل تعزيز تعبئة الموارد، اتخاذ تدابير صارمة من قبل الحكومة الجديدة لمكافحة الفساد لكيّ يتم تقبّل أي اقتطاع ضريبي إضافي بشكل عام من قبل اللبنانيين. وقال :»بموازاة ذلك، هناك حاجة ضرورية لسدّ ما لا يقل عن نصف فجوة التهرب الضريبي بين الأعوام 2021 و2024 (أي 1.0% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً). كما أن هنالك مجال أيضاً لخصخصة بعض المؤسسات العامة مثل قطاع الاتصالات وطيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان بما يدرّ ما لا يقل عن 10 مليارات دولار على الخزينة، أضف إلى ذلك الإيرادات الإضافية جراء بيع بعض موجودات القطاع العام من أملاك وعقارات، ما من شأنه أن يؤدي إلى اقتطاع جزئي في مخزون الدين العام وبالتالي تحقيق وفورات موازية في خدمة الدين. من هنا، وفي حال تمّ تنفيذ جميع هذه التدابير، من الممكن خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 153% اليوم إلى ما يقارب 100% خلال خمس سنوات، وتحقيق صفر عجز في المالية العامة في حينه.

ثالثاً: يعدّ تعزيز النمو الاقتصادي وخلق الوظائف أمراً جوهرياً لملاقاة المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية في ضوء التظاهرات الشعبية التي اندلعت منذ منتصف شهر تشرين الأول. فقد بلغ معدل النمو الاقتصادي 0.2٪ في العام 2019 ومن المتوقع أن يكون سلبياً في العام 2020. واضاف : «إننا نتوقع أن يبلغ النمو الاقتصادي -2% هذا العام، إلا أن هناك إمكانية لأن يرتفع تدريجياً مع تحقيق سيناريو الهبوط الآمن في غضون خمس سنوات شرط استعادة ثقة القطاع الخاص. ، غير أن ذلك يتطلب  مناخاً سياسياً داعماً وإطلاق عجلة الإصلاحات الهيكلية المرجوة لتحفيز الطلب على السلع والخدمات، وتعزيز التنافسية للاقتصاد اللبناني إلى جانب تحسين عامل الثقة بشكل عام».

واكد ان «لبنان اليوم بحاجة إلى رفع نسبة الاستثمار الخاص إلى الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 2.5% سنوياً خلال السنوات المقبلة وذلك من أدنى مستوياتها خلال عشرين عام والبالغة أقلّ من 20% اليوم. واشار إلى أن نمو الاستثمار يعزّز مكوّن العمالة في النمو الاقتصادي والذي يتطلّب خلق وظائف جديدة لاستيعاب أكثر من 30,000 لبناني ينضمون كل سنة إلى القوى العاملة في لبنان..

وقال: في هذا السياق، تبرز معضلة خلق الوظائف في لبنان من بين القضايا الأساسية نظراً إلى أن معدل البطالة قد تضاعف ليتجاوز 25% مؤخراً. هذا ويرتبط تحفيز الاستثمار الخاص بتحسن بيئة الأعمال من خلال تخفيض التكاليف التشغيلية وتحسين سهولة مزاولة الأعمال في لبنان، بالترافق مع خفض معدلات الفوائد المرتفعة والتي كان لها ظاهرة استبعادية لافتة على الاستثمار الخاص خلال السنوات القليلة المنصرمة.

وتابع : «من هنا، إن اعتماد وتطبيق سياسات تستجيب للمطالب الشعبية على كافة الصُعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالترافق مع إطلاق عجلة الإصلاحات التي طال انتظارها.

وعن إجراءات المصارف قال بركات «إن الإجراءات الصارمة التي تتخذها المصارف هي شرّ لا بدّ منه، فتطبيق القيود على المودعين هدفه حماية أموال المودعين وإلا لكان حدث هروب رساميل وسحوبات ضخمة من شأنها أن تؤدي إلى انهيار القطاع وسقوط الهيكل على رؤوس الجميع. لو حصلRun على أكبر مصرف في أميركا لما كان استطاع الأخير أن يتحمّل هذه الهجمة. من هنا جاءت ضرورة تنظيم عملية السحوبات وخروج الرساميل بشكل لا يستنفذ السيولة المتبقّية في القطاع. رغم هذه القيود فإن السحوبات بالدولار التي حصلت من المصارف خلال الأشهر الأخيرة وصلت إلى حدود 8 مليارات دولار وهي مودعة في المنازل (Cash at homes). إلا أننا نلفت أن توحيد المعايير والإجراءات المصرفية هي السياسة الملائمة التي تقع على عاتق السلطات المرجعية لحماية كل من المودعين والمصارف معاً في ظل الظروف التشغيلية الصعبة حالياً. إن هكذا خطوة تضمن الإنصاف والمساواة في الحقوق بين المودعين وتؤمّن في الوقت نفسه غطاءً تشريعياً مناسباً للمصارف اللبنانية، ما يُفترض أن يساعد القطاع المالي على مواجهة الأوضاع الشائكة الراهنة، بانتظار تحقيق خرق سياسي واقتصادي يساعد على تحسين عامل الثقة تدريجياً وضمان العودة إلى المسار الطبيعي. في الواقع، إن الحاجة الملحّة اليوم هي تنظيم العلاقة بين المؤسسات المصرفية وقاعدة زبائنها في ظل مناخ غير نمطي. وبالتالي نحن نأمل بأن تكون هذه القيود أو الإجراءات المصرفية ظرفية إلى حين تجاوز المحنة التي نمرّ بها وإعادة الثقة إلى الأسواق بشكل عام».

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.