بعد «كورونا».. هل العالم يتجه نحو حربٍ باردة؟

16

لعلّه من السابق لأوانه؛ تَوقّعُ بعض المفكرين والمحلّلين بأن عاصفة كورونا ستأخذ معها قيادة أميركا العالمية، لتحلّ الصين مكانها. ما زالت أميركا تحتفظ بكثير من نقاط القوة، والتي تُوسّع ميدان التنافس مع الصين. فيما يبدو فإن فيروس كورونا سيُقربنا من حرب باردة بين الصين وأميركا؛ فمجريات هذه المواجهة ونتائجها؛ هي التي ستحدّد أمدَ التغيير في شكل النظام الدولي، ومن الذي سيعتلي عرشه. هذه المُدوّنة ستحاول توقع فصول حربٍ باردةٍ مُحتملة بين الصين وأميركا.

وفي مقارنة استشرافية لحربٍ باردة مُحتملة بين الصين والولايات المتحدة، مع ما جرى من حربٍ باردة امتدت بين 1945-1991، فإن هناك أوجهاً مُتوقّعة من التشابه والاختلاف بين المرحلة الماضية والمرحلة المقبلة. لعلّ من بعض الجوانب التي تتشابه بين المرحلتين المُقارنتين، ما يتعلق بالتحالفات، فالصين قد تركز على إنشاء تحالفات يغلب عليها الطابع الاقتصادي كما في منظمة شنغهاي ومجموعة بريكس. وقد تسعى أميركا لتعزيز تحالفاتها العسكرية، وزيادة التعاون الاقتصادي في علاقة بينية مع الدول، وقد يدفع أميركا لهذا شعورها بقطب يكون نداً لها، ليس كما يفعل ترمب اليوم؛ فإذا خسر ترمب الانتخابات المقبلة، فلعلّ أميركا ستصلح علاقاتها مع حلفائها. قد تُحاول كلتا الدولتين وعبر المساعدات والقروض المُقدمة لبعض الدول، أن تجعلها أقرب إليها من الطرف المنافس. قد نرى تياراً من الدول يختار عدم الانحياز لأحد القطبين، وقد تكون بعض هذه الدول أوروبية، أو إقليمية بالقرب من الصين مثل اليابان، والتي يمكن أن تخشى على مصالحها بسبب التنافس بين عملاقين عالميين. سيظل النفط والغاز عاملين كبيرين في تحديد سياسات وصور التنافس بين أميركا والصين. ستسعى الولايات المتحدة لتعزيز انتشارها العسكري حول العالم، وستكون هذه عقبة في طريق الصين، والتي يمكن أن تغري دولاً في الشرق من أجل إنشاء قواعد عسكرية لها هناك. قد نرى انتشار حروب الوكالة مدعومة من كلا الدولتين. إن طبيعة العالم تتغير، وهذا سيُحدث اختلافات عن السابق، وهذا يؤدي إلى تجديد في وسائل الحرب الباردة. مع تعدد واختلاف مستويات القوة، فإن التنافس العسكري قد تخبو حدّته، ويطغى بدل ذلك الصراع الاقتصادي، وكسب الأسواق، وبروز الحرب التجارية، والتي بدت بعض معالمها في هذه الأيام بين الصين وأميركا.

استفحال العولمة في تفاصيل حياتنا سيلعب دوراً جديداً في مظاهر حرب باردة بين الطرفين، لذا قد نشهد حروباً إلكترونية يكون أبطالها الهكرز. قد تحتدم المنافسة في مجال التكنولوجيا، فأزمة هواوي والعقوبات الأمريكية التي طاولتها قد تكون مثالاً على ذلك، وتهديد الصين باستعمال عناصر الأرض النادرة، والتي تُنتج الصين منها أكثر من 95 في المائة من الإنتاج العالمي، وتعتمد أميركا على 80 في المائة من واردتها من هذه العناصر، والتي تُستعمل في صناعة كثير من الأجهزة التكنولوجية. قد يُحاول الطرفان كسب الفواعل من غير الدول، مثل المنظمات غير الحكومية، ورؤساء الشركات العالمية الكبرى، والشخصيات والوسائل الإعلامية وغير ذلك. وقد يتخذ الطرفان من الإرهاب حجة في كثير من تدخلاتهم، وبناء سياساتهم الخارجية.

قد يجري بعض الاختلافات في طبيعة الصراع والتنافس بين الصين والولايات المتحدة. لعلّ دعاية الأيديولوجيا ستكون أقلّ مما كانت عليه بين السوفييت والأميركان، وتحلّ مكانها شعارات مثل الحرية، والقانون، والاستقرار، ودور الدولة، والديموقراطية وغيرها. قد يزداد التنافس في مجال القوة الناعمة، على حساب التنافس في المجال العسكري، لأن أهميته تضاءلت عما سبق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.