بقلم ألبير نجيم – صفقة القرن… نحن الى أين؟

45

بعد 38 سنة على الاجتياح الإسرائيلي للبنان والقضاء على البنية القتالية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت للأسف قبل ذلك قد اضاعت البوصلة فأهملت مصلحة الدولة اللبنانية بداية ثم اقحمت نفسها في الصراع اللبناني – اللبناني، نشهد اليوم اجتياحا سياسيا اميركيا بهدف فرض الحل المناسب لإسرائيل من ناحية، ودعم الحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب من ناحية ثانية، بما في ذلك كسب أصوات اليهود وأصوات الانجيليين.

من يتفحص جيدا مشروع الدولة الفلسطينية كما قدمها «مشروع السلام الأميركي» يستنتج بديهيا ان هذه «الدولة» ليست إلا عبارة عن «اتحاد بلديات» للمدن الفلسطينية بمعطف سياسي. خاصة وأن من صاغ المشروع تعمد حتما ان يبقى بحر غزة (أي المياه الإقليمية) تحت السيطرة الإسرائيلية فضلا عن نهر الأردن والبحر الميت، ما يعني ان تكون فلسطين جزرا صغيرة في بحر إسرائيلي.

الجديد اللافت والمستغرب في المشروع الأميركي بحسب المراقبين، هو ترحيل سكان المثلث الفلسطيني (ام الفحم، عرعرة، باقة الغربية، وكفر قرع) والذي يضم أكبر كثافة سكانية فلسطينية منذ العام 1948، مصحوبا بضرورة ان يعترف الفلسطينيون جميعا بيهودية دولة إسرائيل كشرط واجب التنفيذ قبل المفاوضات.

يمكن في ضوء اعلان «صفقة القرن» إعادة ترتيب الأولويات الأميركية – الإسرائيلية على النحو التالي:

1- تفعيل مسارات التطبيع مع الدول العربية.

2- دفع الدول العربية باتجاه تحالف عسكري تحت شعار «ناتو» عربي او متوسطي بديل عن أي تحالفات عربية سابقة وعن كل الاشكال التنسيقية المختلفة.

3- الدفع باتجاه توطين الفلسطينيين في البلدان العربية والإسلامية (لبنان، والأردن، وسوريا من أبرز المرشحين لذلك بالطبع).

4- اطلاق سلسلة من العقوبات المدروسة ضد السلطة الفلسطينية، مع المراهنة على غياب الرئيس محمود عباس المرتقب، للتفاوض مع من سيخلفه على رأس السلطة.

5- استمرار العمل الأمني المصري – الإسرائيلي مع حركة حماس لإنتاج اتفاق هدنة طويل الأمد تتمكن خلاله الحركة من إدارة قطاع غزة حتى يحين اجل السنوات الأربعة الانتقالية في خطة الإدارة الأميركية، ويتضح اي مسلك سياسي يجب اعتماده مع الفلسطينيين. علما ان تعقيدات ميدانية كبيرة ومفاجآت قد تحول دون مثل هذا الاتفاق في مرحلة ما بعد «أبو مازن».

ومن الطبيعي القول ان الصراع الدولي والإقليمي على الفضاء العربي مضافا إليه انحطاط الحالة السياسية الفلسطينية وسط انقسام داخلي سياسي وجغرافي، هما اللذان مكنا الإدارة المذكورة من اطلاق مشروع الصفقة، أي مشروع إضفاء الشرعية السياسية على تهويد القدس وبناء المستوطنات، ومصادرة الأراضي.

وعلى هذا الأساس يجب الإقرار بان القوى العظمى تنتهج ما يلائم مصالحها الاستراتيجية خاصة اذا ما وجدت ان الأرض خصبة لذلك والسبل متاحة ورحبة.

فصحيح ان «صفقة القرن» تنطوي على تناقضات لها طابع بنوي نظرا لفقدانها أي مرجعية قانونية ذات صلة بالقانون الدولي وبمنتدى الأمم المتحدة، الا ان الأصح هو ان الرفض الفلسطيني النمطي والكلاسيكي يفتقد لأي ابداع سياسي، فلطالما جاء الموقف الفلسطيني معبرا عن تقاليد موروثة فقط. ان الفلسطينيين اليوم امام ضرورة اختراع الدور السياسي القادر على إقامة مساحة عمل فعال ومؤثر في الواقع الدولي والإقليمي المثقل بالصراعات العنيفة.

وما ينطبق على الواقع الفلسطيني ينطبق أيضا على لبنان دولة وسلطة وشعبا، فهل نقدم على تجاوز الأنماط السياسية التقليدية حيال قضية مصيرية كتلك التي نواجه اليوم جراء «صفقة القرن»، خاصة وان الوصفات العلاجية الجاهزة التي اعتدنا الاتكال عليها غائبة في هذه المرحلة.

‏albertnjeim@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.