بقلم اياد علاوي – رسالة الى مقتدى الصدر .. رحلة الإنقلاب على المبادئ

55

ما الذي حدث يا سماحة السيد مقتدى الصدر؟ ألم يكن من مبادئك عدم اللجوء إلى العنف؟ والإسراع في تشكيل الحكومة خدمةً للشعب؟ وعدم استهداف الشركاء وترهيبهم؟ والقبول أن تكون في الموالاة أو المعارضة في مجلس النواب؟ والحفاظ على هيبة القضاء؟ ألم توجه النصائح إلى دول غير العراق مثل سوريا ولبنان وروسيا أن تحافظ على أمن شعوبها وإرادتها؟

فكيف اليوم توجِّه أتباعك يا سماحة السيد مقتدى الصدر، باقتحام المنطقة الخضراء التي هي (قلب الحكومة والدولة العراقية)، وكذلك تحريضهم على اقتحام مجلس القضاء الأعلى، مما أسقط هيبة الدولة!

حسناً، دعنا نذهب معاً في هذه الرحلة من حلال مسار الأحداث:

1- نشرَ سماحتكم تغريدة، بها وسم: #سلاماً_يا_لبنان ، بتاريخ: 14-10-2021، تطلب فيها من حركة أمل وحزب الله الحفاظ على السلم الأهلي، وضبط النفس؛ لأن لبنان أغلى من كل المصالح.

يا سماحة السيد! ماذا عن العراق اليوم وأنتم توجهون باقتحام المنطقة الخضراء ومنع تشكيل الحكومة، والتحريض على مجلس القضاء الأعلى؟!

2- نشرَ سماحتكم تغريدة بتاريخ: 31-10-2021، نذكر مما قلتم فيها: “فيكون في البرلمان جهتان: جهة الموالاة… وجهة المعارضة… ونحن لا نمانع أن نكون بأي من إحدى الجهتين فكلاهما من أجل خدمة الوطن…” انتهى.

يا سماحة السيد مقتدى الصدر، ما الذي حدث لكلامكم هذا؟! لماذا قررتم خلافاً لكلامكم، وأخرجتم جمهوركم لاقتحام المنطقة الخضراء ومجلس القضاء الأعلى، فلا أنتم موالاة ولا أنتم معارضة! أين ذهبت هذه المبادئ وهيبة الدولة والعراق؟!

3- عندما تظاهر جمهور الإطار التنسيقي، محتجاً على نتائج الانتخابات المبكرة (2021)، كانت تظاهراته واعتصاماته سلمية (99%)، حتى أنهم تعرضوا للاستهداف وجُرِحَ منهم عدد كثير، واستُشهد منهم اثنان (رحمهم الله)؛ لكنهم لم يفقدوا اتزانهم وسلميتهم، ولم يقتحموا المنطقة الخضراء (مع محاولاتهم غير الجادة).

4- متى انتهت التظاهرات والاعتصامات لجمهور الإطار التنسيقي على نتائج الانتخابات؟ أليس بعد تصديق المحكمة الاتحادية العليا للنتائج؟

هذا جمهور الإطار التنسيقي، وكذلك أحزاب الإطار التنسيقي وكتله؛ كلهم احترموا قرار المحكمة الاتحادية العليا (مع أنهم يرون أنهم ظُلِموا به)؛ لكنهم لم يحتكموا إلى الشارع والعبث، وإسقاط مؤسسات الدولة التشريعية والقضائية، بل سلموا للقضاء العراقي الأمر وانسحبوا التزاماً بالدستور والقانون، واحتراماً لهيبة الدولة والقضاء والعراق.

وانظر يا سماحة السيد مقتدى الصدر كيف انقلب الحال معكم في التعامل مع الدولة والقضاء اليوم! لماذا وما الذي حدث؟!

5- نشرَ سماحتكم تغريدة بتاريخ: 27-12-2021، بعد إعلان تصديق المحكمة الاتحادية العليا لنتائج الانتخابات المبكرة، نذكر بعض ما قلتم فيها: “الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وغلب الأحزاب وحده… وشكراً لكل من ساهم في هذا العرس الديموقراطي الوطني ولا سيما القضاء الأعلى وأخص بالذكر الأخ فائق زيدان والمحكمة الاتحادية العليا… داعياً للحفاظ على السلم والسلام فالوطن أمانة في أعناقنا وذلك بالإسراع بتشكيل حكومة…” انتهى.

إنَّ احترام القضاء والقانون والدستور مبدأ قرأناه في كلماتكم سماحة السيد، وها أنتم تذكرون الدكتور القاضي فائق زيدان (رئيس مجلس القضاء الأعلى) بالاسم، وتثنون عليه وعلى المحكمة الاتحادية كثيراً، وكذلك تشكرون الله وتحمدونه؛ بعد تصديق نتائج الانتخابات، فلماذا اليوم انقلبت المعادلة عندكم على السلطة القضائية الاتحادية؟! كيف تغير هذا المبدأ عندكم! كيف تجدون أنكم ميزان الحق؟ وماذا عن شكركم وحمدكم لله سبحانه؟

لماذا لا يكون القضاء حرّاً مستقلًا في عمله، معياره وميزانه الدستور والقوانين وليس رغبة سماحتكم؟

علمًا أنكم كذلك كنتم قد شكرتم القضاء في تغريدتكم بتاريخ: 25-1-2022: “مرة أخرى يثبت القضاء العراقي نزاهته واستقلاليته وعدم رضوخه للضغوطات السياسية…” انتهى.

فما الذي يحدث مع مبادئكم هذه يا سماحة السيد! وأين هيبة الدولة والقضاء والعراق؟!

6- نشرَ سماحتكم تغريدة بتاريخ: 26-10-2021، كنتم تتنقدون فيها الصراعات السياسية بين الأحزاب في العراق، لأن الإرهاب ما زال موجوداً والأحزاب منشغلة عنه؛ نذكر مما قلتم فيها: “لا ينبغي التغافل عن الإرهاب وجرائمه. ولا ينبغي التلهي بالصراعات، على المقاعد والسياسة ونسيان الإرهاب. فها هي قرية من قرى المقدادية يعصف بها الإرهاب في خضم الصراع السياسي، فلا ينبغي بالمجاهد ترك السواتر… أفيقوا يرحمكم الله…” انتهى.

يا سماحة السيد، اليوم جيش الاحتلال التركي يستهدف محافظات العراق: دهوك، نينوى، كركوك، السليمانية… (يستهدف شركاءك)! والإرهاب ما زال يعصف في ديالى وصلاح الدين والطارمية في بغداد… وسماحتكم ترك كل ذلك وقرر أن يقتحم المنطقة الخضراء.. أليس هذا ما كان سماحتكم ينهى عنه؟! أليس هذا مخالفاً لمبادئكم؟! أليس هذا صراع على المقاعد؟!

7- غرد سماحتكم بتاريخ: 24-2-2022، موجهاً نقده لمن يحاول الضغط على القضاء، نذكر مما قلتم فيها: “حسب ما وصلني من معلومات دقيقة.. أن هناك ضغوطات حزبية وطائفية على القضاء العراقي… فإننا نشدد على هيبة الدولة بل وهيبة القضاء واستقلاله وعدم تسييسه من خلال تلك الضغوطات المقيتة…” انتهى.

يا سماحة السيد، إن كانت قد وصلتك معلومات دقيقة (لم نسمع بها أو نرها)؛ فاليوم سماحتكم تضغطون على القضاء العراقي بالصوت والصورة والعالم كله شاهد ذلك! فها أنتم توجهون أتباعكم لاقتحام مجلس القضاء الأعلى، واقتحموه فعلًا، وأحرقوا صور السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي (فائق زيدان)، ومنظومتكم الإعلامية في وسائل التواصل الاجتماعي تحرض ضد القضاء والمحكمة الاتحادية العليا! فكيف تنقلب مبادئكم في هذه السرعة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين! وأين هيبة الدولة والقضاء وعدم قبول الضغط عليه؟!

8- غرد سماحتكم بتاريخ: 19-1-2022، موجهاً النقد لمن يلجأ إلى العنف واستهداف مقرات الأحزاب، نذكر مما قلتم فيها: “أما أن يلجأ بعض المحسوبين عليهم إلى العنف واستهداف مقرات الأحزاب الموالية لحكومة الأغلبية فهذا أمر لا يرتضيه العقل والشرع والقانون، وعلى العقلاء منهم المسارعة في كفكفة غلواء هذه الجماعات الغوغائية وكبح جماحها… ولو أننا خسرنا الانتخابات أو تنازلنا أو أُقصينا عن تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية فلن نتخذ العنف على الإطلاق فهذا ما أُدبنا عليه ولن نسمح لأي أحد ممن ينتمي لنا فعل ذلك…” انتهى.

وها أنتم سماحة السيد اليوم توجهون المحسوبين عليكم باستخدام العنف واستهداف مقرات الأحزاب الموالية للإطار التنسيقي وترهيبهم في الأرض والإعلام! فأين مبادئ سماحتكم؟! وهل اقتحام المنطقة الخضراء ومجلس القضاء الأعلى واستهداف مكاتب تيار الحكمة ودولة القانون وغيرها؛ فعل يرتضيه العقل والشرع والقانون؟!

ولماذا خالفتم مبدأكم بعد أن تنازلتم؟! لماذا لم تتركوا أمر تشكيل الحكومة للطرف الآخر بعد أن تنازلتم؟!

9- يا سماحة السيد مقتدى الصدر، أنتم لم تستطيعوا الاتفاق بينكم على تشكيل حكومة، وسماحتكم يعلم أن مرشحكم السابق لرئاسة الجمهورية هوشيار زيباري متهم بالفساد فعلًا، لذلك ألغت المحكمةُ الاتحادية العليا ترشيحه، وتحالفكم لم يؤهلكم لجمع (220) نائباً لتحقيق نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وأخفقتم في ذلك مرتين (جلسة السبت وجلسة الأربعاء)!

10- سماحتكم شخصياً قرر الانسحاب والاستقالة من مجلس النواب، وفعلًا استقالت الكتلة الصدرية بتاريخ: 12-حزيران-2022، أي: بعد (9) أشهر من الانتخابات ولم تتمكنوا من الاتفاق! وعندما صارت الكرة بملعب الإطار التنسيقي فإنه لم يستغرق أكثر من (شهر) واحد؛ حتى اتفق بالإجماع على شخصية واحدة مرشحة لمنصب رئيس الوزراء، لكنكم يا سماحة السيد مقتدى الصدر لم تقبلوا بنتائج الديموقراطية هذه! وقررتم الاحتكام إلى لغة الشارع وفرض الإرادات على الشعب العراقي! وها أنتم تقتحمون المنطقة الخضراء، ومجلس القضاء الأعلى وتستهدفون مقرات الأحزاب، وترفضون أن يشكل الإطار التنسيقي وحلفاؤه الحكومة، علماً أنَّ الإطار التنسيقي حتى هذه اللحظة لم يفكر بإقصائكم من الحكومة، بل يتفق كل أعضائه على إشراككم في الحكومة بما يناسب استحقاقكم.

11- إنَّ رأي الشعب العراقي لا يظهر باقتحام المنطقة الخضراء، بل يظهر بإدارة مفاوضات هادئة متزنة، مبنية على أصوات الناخبين والتحالفات السياسية والبرنامج الحكومي الذي يحفظ له مصالحه.

ولا نعتقد بوجود (شخص واحد) يمثل الشعب العراقي! فهذا غير ممكن اليوم؛ فالجماهير متعددة، ومنها جمهور المرجعية الدينية (المساحة العظمى)، وجمهور الحشد الشعبي والمقاومة، وجمهور الأحزاب، وجمهور متداخل مع كل تلك الأقسام، فضلًا عن التنوع المذهبي والقومي والمِلَل والأقليات التي لها تمثيلها الخاص بها… وسماحتكم له جمهوره الخاص الذي انتخب الكتلة الصدرية وسماحتكم تتحدثون باسم جمهوركم حصراً، كما القيادات البقية التي تتحدث باسم جمهورها.

12- سماحة السيد مقتدى الصدر، لقد أعلنت بتاريخ: 30-6-2022؛ الأسباب التي جعلتك تنسحب من العملية السياسية، وكان من بين الأسباب؛ أنَّ العراقيين لم يؤمنوا بمشروعك (حكومة الأغلبية السياسية)، وكنتَ قد ذكرت الرافضين وهم الفئات الآتية:

المستقلون، الكتل السياسية (وبعض الدول)، الطبقات الواعية: الإعلاميون، المحللون، الكفاءات، التكنوقراط وغيرهم، عدم وجود مناصرة شعبية لمشروعك، قسم من التيار الصدري نفسه ووصفتهم: (المنتفعين، المنشقين، الدنيويين)…

أي: مشروع سماحتك رفضه الشعب العراقي بفئاته المتنوعة، وانتهى أمره عقلًا وشرعاً وقانونًا ومنطقاً.

الختام: سماحتك اليوم على من تتظاهر وتحتج وتعترض وتقتحم المنطقة الخضراء، وترفع شعاراً الحرب على الفاسدين؟!

هذه الحكومة اليوم حكومة السيد مصطفى الكاظمي الذي جاء به سماحتك، والأمين العام لمجلس الوزراء من أتباع سماحتك، وعندك عدد من الوزارات والبنك المركزي ومئات الدرجات الخاصة، فالحكومة هذه أنت أنشأتها، وها أنت تتظاهر عليها!

أم يا ترى تتظاهر على حكومة (لم تتشكل بعد)؟

أي فاسدين هؤلاء الذين تريد طردهم والحكومة لم تتشكل حتى الآن؟!

أليس من العقل والشرع والقانون أن تتشكل الحكومة حتى يظهر الفاسد من المستقيم ونتصرف؟!

ثم كيف يحدث يا سماحة السيد أن نترك السلطة القضائية الاتحادية وراء ظهورنا؛ ونكون نحن المحقق والقاضي والحاكم والسجان؟!

أليس القضاء هو صاحب الكلمة في الحكم على الفاسدين بأنهم فاسدون؟! أليست الدول المحترمة وضعت الدساتير والقوانين حتى يفهم كل واحد صلاحياته وحدوده؛ ولا تتحول الدولة إلى مجتمع الغاب؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.