بقلم خيرالله خيرالله – اعتراف بالدور الطبيعي للأردن

55

ليس الدور الأردني مصطنعا كي يكون هناك كلام ساذج من نوع إعادة تأهيل هذا الدور. ليس الدور الأردني سوى دور طبيعي يشكّل جزءاً لا يتجزّأ من تركيبة المنطقة وتوازنها منذ قيام  إمارة شرق الأردن قبل قرن من الزمن، في نيسان – ابريل 1921 تحديدا.

اثبتت مؤسسات الدولة الاردنيّة انّها راسخة. ليس تجاوز المملكة قضيّة «الفتنة» التي دين فيها باسم عوض الله، رئيس الديوان السابق والشريف حسن بن زيد، وهو من بين افراد الاسرة الهاشميّة، سوى دليل آخر على انّ ليس بالإمكان الاستخفاف بقوّة هذه المؤسسات. يضاف بالطبع انّ الحكم الذي صدر كان بمثابة رسالة من عبدالله الثاني الى الداخل والخارج في الوقت ذاته. فحوى الرسالة الموجّهة الى الداخل ان المرونة لا تعني ضعفا!

ليس الجديد عودة الأردن الى الواجهة في ضوء اللقاء المتوقّع بين الملك عبدالله الثاني والرئيس الأميركية جو بايدن في التاسع عشر من الشهر الجاري. الجديد هو العودة الأميركية والإسرائيلية الى المنطق. مثل هذا اللقاء، وهو الاوّل بين الرئيس الأميركي الجديد ورئيس دولة عربيّة في البيت الأبيض، يفرضه المنطق نظرا الى أنّ لا مجال لتجاوز الأردن ودوره. مثل هذا التجاوز صعب على الرغم من التغييرات الكبيرة والجذريّة التي شهدتها المنطقة، خصوصا منذ الزلزال العراقي في العام 2003.

اخلّ الاحتلال الأميركي للعراق بالتوازن الإقليمي في العمق. بمجرّد تسليم إدارة جورج بوش الابن العراق على صحن من فضّة الى ايران، انهار احد الاعمدة التي قام عليها النظام الإقليمي. هذا النظام الذي وُضعت اسسه بعد انهيار الدولة العثمانية في عشرينات القرن الماضي ومباشرة تطبيق اتفاق سايكس- بيكو الذي توصلت اليه بريطانيا وفرنسا في العام 1916.

عاد الاردن الى لعب دوره الطبيعي في المنطقة، وإن نسبيا، بعد فترة مرّ فيها هذا الدور في حال من التراجع لاسباب عدّة. في مقدّم هذه الاسباب العلاقة السيئة بين الملك عبدالله الثاني من جهة وكل من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي كان يؤمن بإمكان تجاوز الأردن ودوره بدعم من رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو (بيبي). اعتقد «بيبي» ان الأردن لزوم ما لا يلزم. لم يفهم شيئا من إصرار عبدالله الثاني على خيار الدولتين مع ما يعنيه ذلك من إيجاد وضع خاص للقدس الشرقيّة المحتلّة التي يفترض ان تكون عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلّة «القابلة للحياة». بقي همّ «بيبي» محصورا طوال السنوات الـ12 التي كان فيها رئيسا للوزراء في توسيع الاستيطان وفرض واقع جديد على الأرض من اجل قطع الطريق نهائيا على امكان قيام دولة فلسطينيّة مستقلّة يوما. جاءت حرب القدس – غزّة الأخيرة لتثبت ان الملك عبدالله الثاني كان بعيد النظر في تشديده على خيار الدولتين من جهة وعلى استحالة تجاهل طموحات الشعب الفلسطيني من جهة أخرى.

ساهمت في تراجع  الدور الأردني أيضا الازمة الاقتصادية التي تعيش المملكة الهاشميّة في ظلّها منذ سنوات عدة. لم يهبط حجم المساعدات وتحويلات العاملين في الدول الخليجية للاردن فقط. عانى البلد ايضا منذ 2003 من توقف الدعم النفطي العراقي للمملكة، وهو دعم كان في غاية الاهمّية لاقتصاد الاردن ايّام صدّام حسين.

لا يمكن الفصل بين عودة الأردن الى الواجهة وبين شخصيّة عبدالله الثاني نفسه وذلك منذ اعتلائه العرش في العام 1999. لم يكن صدفة ان من بين أوّل الاتصالات التي اجراها الرئيس جو بايدن، بعيد دخوله الى البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني – يناير الماضي، ذلك الاتصال مع العاهل الاردني. سبق هذا الاتصال أي اتصالات أخرى مع الزعماء العرب وكشف وجود علاقة شخصيّة قديمة بين بايدن وعبدالله الثاني الذي حرص منذ جلوسه على العرش على إقامة علاقات وثيقة وشخصيّة مع الأعضاء البارزين في الكونغرس الأميركي. كان بايدن الذي دخل مجلس الشيوخ في العام 1973 بين ابرز هؤلاء.

خسر الاردن الكثير من أوراقه مع التغيير الذي حصل في العراق، لكنّه  بدأ يستعيد بعضا منها في ضوء تحسّن العلاقة بين عمان وبغداد في ضوء التنسيق العراقي- المصري- الأردني. ظهر ذلك من خلال القمة التي انعقدت في بغداد أخيرا وشارك فيها عبدالله الثاني والرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.

جاء رحيل نتانياهو وحلول نفتالي بينيت مكانه ليسهلا عودة المياه الى مجاريها بين الأردن وإسرائيل. حصل اتفاق في شأن المياه بين البلدين حديثا. وقد زار بينيت عمّان سرّا قبل ايّام للاجتماع بعبدالله الثاني وليس مستبعدا عقد لقاء آخر بينهما في واشنطن قريبا. سيكون بينيت في واشنطن في الوقت الذي سيكون عبدالله الثاني فيها أيضا.

في النهاية، الدور الأردني دور طبيعي. ما لم يكن طبيعيا هو تلك الحملة على الأردن التي شنتها إدارة ترامب الساعية الى صفقة وهميّة سمّيت «صفقة القرن». لم تكن الأسس التي قامت عليها تلك الصفقة طبيعية. لذلك ولدت تلك الصفقة ميتة. كان لا بدّ من العودة الى الواقع، هذا الواقع يعني الاعتراف بالدور الطبيعي للاردن، وهو دور يستحيل تجاهله، حتّى في جنوب سوريا، نظرا الى انّ الأردن ليس سوى قطعة منه لا اكثر ولا اقلّ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.