بقلم خيرالله خيرالله – الكاظمي والعنوان الصحيح…

35

ليست زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لدولة الامارات العربيّة المتحدة بعد المملكة العربيّة السعودية سوى دليل آخر على رغبة في إعادة العراق الى ما يفترض ان يكون عليه وتصميم على ذلك. أي دولة طبيعية وفاعلة تهتمّ بامور شعبها وعلى علاقة جيدة مع جيرانها مثل تركيا وايران ومع كل الدول العربيّة، في مقدّمها دول الخليج .

ثمّة إصرار لدى مجموعة واعية وكبيرة من العراقيين، على الرغم من كلّ التحدّيات والصعوبات، على عودة بلدهم الى دولة سيّدة مستقلّة تلعب دورا متوازنا في المنطقة بدل ان تكون «ساحة» للآخرين وصراعاتهم.

كان العراق، العضو المؤسّس لجامعة الدول العربيّة، عامل استقرار في المنطقة بعدما نجح في المحافظة على سلامة حدوده مع ايران لسنوات طويلة. بقي كذلك، على الرغم من جنوحه الى السقوط التدريجي نحو الاسوأ منذ الانقلاب الذي وقع في الرابع عشر من تمّوز – يوليو 1958  وانهى النظام الملكي بطريقة اقلّ ما يمكن ان توصف به انّها وحشية. لم يشهد العراق منذ سقوط النظام الملكي الهاشمي وقتل الملك فيصل الثاني وعدد كبير من افراد العائلة وكبار المسؤولين، في مقدّمهم رئيس الوزراء نوري السعيد، يوما ابيض.

ذهب مصطفى الكاظمي بعد الرياض الى أبو ظبي. ذهب الى حيث يجب ان يذهب. اذا اخذنا الدور الذي لعبته دولة الامارات دائما في دعم العراق، منذ ايّام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، نجد ان رئيس الوزراء العراقي قصد العنوان الصحيح، العنوان الذي يمكن ان يساعد العراق في الانتقال الى وضع افضل داخليا واقليميا.

متى اخذنا ما مرّ به العراق في السنوات التي تلت انقلاب 1958، نكتشف ان البلد انتقل من السيء الى الأسوأ. كان الاعتقاد السائد انّ أسوأ ما يمكن ان يحصل للعراق هو السقوط تحت حكم صدّام حسين، الديكتاتور الريفي الذي اخذ البلد الى حرب طويلة مع ايران ثم الى المغامرة  المجنونة في الكويت… وصولا الى رفض الاعتراف بالهزيمة والإصرار على تحدّي المجتمع الدولي والولايات المتحدة بطريقة مبتذلة.

ما حصل بعد الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، جعل العراقيين يترحّمون على صدّام حسين ونظامه وارتكاباته. سلّم الاميركيون في عهد جورج بوش الابن العراق على صحن من فضّة الى ايران. لا بد من الاعتراف حاليا بانّ معجزة حصلت بفضل الشيعة العرب في العراق، خصوصا. سمحت هذه المعجزة في تمكين الحكومة العراقية القائمة من ان تكون مختلفة في سياق البحث عن كيفية استعادة العراق وجعله بلدا للعراقيين.

ليس صدفة ان تكون دولة الامارات المحطّة الثانية لمصطفى الكاظمي بعد السعوديّة. هناك مجالات واسعة للتعاون بين البلدين، خصوصا في مجال التنمية في العراق والاستفادة من الديبلوماسية الهادئة التي ميزت دائما السياسة الخارجية لدولة الامارات. هذه الديبلوماسية الهادئة والجريئة في الوقت ذاته، التي يعبّر عنها حاليا افضل تعبير الشيخ محمّد بن زايد وليّ عهد أبو ظبي، مكنت الامارات من تجاوز أزمات كثيرة والابتعاد عن المشاكل، كلّ أنواع المشاكل، والانصراف الى الاستثمار في توفير حياة رغيدة لشعبها وللمقيمين فيها.

من هذا المنطلق، امام مصطفى الكاظمي، الساعي الى تغيير نحو الأفضل في العراق، تجربة يستطيع الاستفادة منها الى ابعد حدود. انّها تجربة تقوم على الاهتمام بالمواطن الاماراتي وجعله اكثر تعلّقا ببلده في كلّ يوم. الأكيد ان هذا ما يبحث رئيس الوزراء العراقي عنه وعن توفيره لبلده. فهو يعرف انّه ما كان ليذهب الى السعوديّة والامارات لولا دعم العراقيين له وشعوره بوجود قاعدة شعبيّة تؤيّد التوجّه نحو استعادة العراق ودوره في المنطقة.

يمتلك العراق ثروات ضخمة. العراق من البلدان القليلة في المنطقة التي لديها النفط والغاز والأراضي الزراعيّة والمياه. الاهمّ من ذلك كلّه، لديه الانسان. تتيح زيارة مصطفى الكاظمي للامارات فرصة للتفكير في كيفية تطوير ثروة الانسان في العراق. فالامارات استطاعت قبل ايّ شيء آخر التركيز على المواطن  وعلى حقوق المرأة عبر قوانين عصريّة. وفّرت الامارات في السنوات الأربعين الماضية فرص عمل لعشرات آلاف العراقيين اضطروا الى ترك بلدهم بسبب الكوارث التي حلّت به وبهم… بدءا بالحرب العراقيّة – الإيرانية بين                1988 و 1988 وصولا الى الحصار بعد 1991  ثم بالنظام الجديد الذي قام بعد 2003، وهو نظام يكرّس المذهبيّة، كما لم يمتلك أي افق باستثناء افق الاستسلام لإيران وميليشياتها.

المهمّ حاليا، في ضوء زيارة رئيس الوزراء العراقي للامارات وجود إصرار على متابعة المسيرة الهادفة الى نقل العراق الى مكانه الطبيعي. لن يساعد ذلك العراق داخليّا فحسب، بل سيساعد أيضا في التوازن الذي افتقدته المنطقة منذ تسليم الاميركيين العراق الى ايران وميليشياتها في العام 2003.

الطريق غير سهلة امام مصطفى الكاظمي، لكن نظرة الى الاحداث التي شهدها العراق في السنوات القليلة الماضية، منذ بداية ظهور تململ شعبي من ايران وادواتها تحديدا، خصوصا في الجنوب العراقي، تشير الى انّ الامل ليس مفقودا. الامل ليس مفقودا في استعادة العراقيين للعراق وليس مفقودا في تمكن العراق من لعب الدور المطلوب منه لعبه بدعم عربي. دور الدولة القويّة المتماسكة القادرة على جعل التوازن الإقليمي حقيقة على من جهة والدرع الذي يحمي بوابتي الخليج والمشرق العربي في آن من جهة اخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.