بقلم خيرالله خيرالله – المهمّة الفرنسيّة المستحيلة مع بوتين

27

يعطي اختيار الرئيس ايمانويل ماكرون لكاترين كولونا كي تكون وزيرة للخارجية الفرنسيّة فكرة عن الهمّ الذي يشغل بال كل دولة اوروبيّة في هذه الأيام. إنّه الهمّ الأوكراني الذي يطغى على كلّ ما عداه، خصوصا انّ كولونا التي تعتبر من بين  اكثر الديبلوماسيين الفرنسيين خبرة في شؤون العالم، بما في ذلك الخليج والشرق الأوسط، هي قبل كلّ شيء مختصة باوروبا.

ليس صدفة ان يكون آخر منصب شغلته قبل ان تصبح وزيرة للخارجيّة هو موقع السفير الفرنسي في لندن. يؤكّد مثل هذا الموقع، في الوقت الذي تمرّ فيه العلاقات الفرنسيّة – البريطانيّة في مرحلة دقيقة، بعد خروج المملكة المتحدة من الإتحاد الأوروبي، مدى الثقة التي يضعها ماكرون في كولونا.

يبحث الرئيس الفرنسي عن مخرج لفلاديمير بوتين مدركا أنّه لم يعد امامه غير خيار التصعيد نتيجة مواجهته طريق مسدودا في او كرانيا… وبعدما بدأت أوروبا تظهر ميلا إلى فقدان أي امل بالرئيس الروسي والفدرة على التعاطي معه مستقبلا.

بالنسبة إلى أوروبا، أعاد بوتين العالم إلى ايّام الحرب الباردة بعدما اعتقد انّ الإتحاد السوفياتي لا يزال حيّا يرزق وأنّ في استطاعته استعادة امجاده بمجرّد التلويح بالسلاح النووي.

اكثر من ذلك، أعاد بوتين الحياة إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) مع سعي كلّ من فنلندا واسوج إلى الإنضمام إلى الحلف في تحدّ واضح لروسيا وللرئيس الروسي شخصيا. تغيّرت أوروبا كلّيا بعد الحرب الروسيّة على أوكرانيا. استطاع الرئيس الروسي احداث تغيير أوروبي في العمق لا يقلّ اهميّة ذلك الذي حصل عند محطتين تاريخيتين مرّ فيهما العالم هما نهاية الحرب العالميّة الثانية في العام 1945  وسقوط جدار برلين في تشرين الثاني – نوفمبر 1989. كان هذا السقوط خطوة أولى على طريق إعادة توحيد المانيا… وخروج دول أوروبا الشرقيّة من تحت الهيمنة السوفياتية.

تأتي كولونا إلى الخارجية الفرنسية  بعد تخلّي فنلندا عن حيادها التاريخي بين القوتين العظميين إبان الحرب الباردة. طلبت رسميّا الإنضمام إلى حلف شمال الأطلسي. كذلك، من يصدّق أن اسوج، التي ادارت ظهرها لكل الحروب منذ العام 1814،  يمكن ان تتخّذ في السنة 2022 خطوة من نوع الطلب ان تصبح عضوا في الأطلسي؟ وقفت اسوج موقف المتفرّج في الحرب العالميّة الأولي، كذلك في الحرب العالميّة الثانية. حاولت بين الحين والآخر ان تكون وسيطا في الأزمات الدولية، من نوع الحرب العراقيّة – الإيرانيّة بين 1980 و 1988. لم تذهب يوما إلى أبعد من ذلك. حرصت في كلّ وقت على تفادي إغضاب الإتحاد السوفياتي، قبل سقوطه، ثم الإتحاد الروسي. استقبلت لاجئين من كلّ انحاء العالم، خصوصا من الأكراد ومسيحيي العراق. سعت إلى علاقات طيبة مع كلّ دول العالم معتمدة مقاييس ذات طابع انساني. وهذا ما يغيظ، في ما يبدو، الرئيس التركي رجب طيب اردوغان.

ليست الحماسة التي تبديها فنلندا واسوج تجاه الإنضمام إلى الأطلسي سوى دليل على الرعب الذي يسود أوروبا. استطاع فلاديمير بوتين جعل أوروبا تعيش في ظلّ حال الرعب بعدما لجأ إلى القوّة من اجل إخضاع أوكرانيا بحجّة انّها تنوي الإنضمام إلى حلف شمال الأطلسي. لم تعد أوكرانيا وحدها في المواجهة مع روسيا. يشهد العالم حاليا حربا بالوكالة بين روسيا والغرب الذي قرّر الدخول في مواجهة مع الرئيس الروسي بعدما تبيّن، مع مرور الأيام، أنّه ليس شخصا طبيعيا بأيّ مقياس.

باختصار شديد، لا خيار آخر امام القارة العجوز سوى وضع حدّ لطموحات فلاديمير بوتين عن طريق التصدي له. اذا سقطت أوكرانيا، سقطت أيضا دول البلطيق، أي لاتفيا واستونيا وليتوانيا. هذه الدول اخذت مبادرة الإنفصال عن الإتحاد السوفياتي. إلى جانب ذلك، ليس في استطاعة دولة مثل بولندا سوى الشعور بالهلع بسبب تاريخ علاقتها بروسيا والتجارب المؤلمة التي مرّت فيها في الماضي البعيد والقريب…

يظلّ اهمّ ما تشهده أوروبا حاليا التغيير العميق الذي الموقف الألماني. لم يعد هناك ما يربط المانيا بروسيا. على العكس من ذلك، هناك انعدام كامل للثقة بين برلين وموسكو. يؤكّد ذلك القرار الألماني القاضي بالتخلي كلّيا عن الغاز الروسي من جهة وإعادة بناء الجيش الألماني من جهة اخرى.

في النهاية، بعد كلّ المقاومة التي اظهرها الشعب والجيش الأوكرانيان بدعم أميركي واوروبي مكشوف ومعلن، هل لا يزال من مستقبل سياسي لفلاديمير بوتين؟ الجواب عن هذا السؤال سيحتاج إلى بعض الوقت. لكنّ الثابت ان ليس في اميركا وأوروبا من على استعداد للتعاطي مع الرئيس الروسي باستثناء ماكرون. لا يمكن الإستخفاف بعامل الثقة في العلاقات الدوليّة. نجح بوتين في ضرب الثقة عندما اخطأ في العنوان ولم يتنبه إلى ان اوكرنيا دولة اوروبيّة وليست سوريا التي يستطيع فيها تجربة الأسلحة الروسية في الشعب السوري من دون ان يجد من يحاسبه.

ستكون الحرب الأوكرانيّة حربا طويلة من دون ادنى شكّ. بدأت الحرب في الرابع والعشرين من شباط – فبراير الماضي ولا تزال مستمرّة. أسوأ ما في الأمر ان ليس هناك من يريد إيجاد مخرج لبوتين باستثناء قليلين احدهم الرئيس الفرنسي الذي سيكون عليه الإتكال على كاترين كولونا لإيجاد مثل هذا المخرج ووضع صيغة له. تبدو هذه مهمّة مستحيلة اذا اخذنا في الإعتبار شخصيّة الرئيس الروسي نفسه الذي لا هدف له سوى الإحتفاظ بالسلطة من جهة وتأكيد ان روسيا قوّة عظمى في هذا العالم وانّ الإتحاد السوفياتي لم يمت من جهة أخرى.

الأهمّ من ذلك كلّه، انّ المخرج سيعني الإعتراف بالخطأ والإستعداد للخروج من السلطة عاجلا ام آجلا. الأكيد ان فلاديمير بوتين ليس من الرجال الذين يستطيعون الإعتراف بالخطأ، خصوصا انّه لا يستطيع ان يرى نفسه خارج السلطة يوما!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.