بقلم خيرالله خيرالله – النظام السوري ضرورة إيرانيّة

57

هل ينجح وزير الخارجية الإيراني حسين امير عبد اللهيان في حماية النظام السوري من هجوم تركي متوقع في الشمال؟ الأكيد، في ضوء تجارب الماضي القريب، انّ «الجمهوريّة الإسلاميّة» لن تتخلّي عن النظام السوري الذي تعتبر انّه صار تحت سيطرتها الكاملة في ضوء المصاعب التي تواجه روسيا منذ قرّر الرئيس فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا في الرابع والعشرين من شباط – فبراير الماضي. لن يتأخّر وزير الخارجيّة الإيراني، الذي زار انقرة حديثا، في بذل كلّ ما يستطيع من اجل انقاذ بشّار الأسد ونظامه اللذين لا يزالان، إلى اشعار آخر، ضرورة ايرانيّة…

لم تكن زيارة وزير الخارجيّة الإيراني لدمشق قبل ايّام سوى دليل آخر على مدى اهمّية سوريا بالنسبة إلى «الجمهوريّة الإسلاميّة» التي استطاعت تغيير طبيعة العلاقة مع النظام منذ خلف بشّار الأسد والده في العام 2000. هذا لا يعني انّ حافظ الأسد كان يمتلك هامشا كبيرا في المناورة مع ايران، لكنّ الأكيد انّه كان قادرا، في اقلّ تقدير، على المحافظة على المظاهر. ما لا يمكن تجاهله انّ حافظ الأسد  كان وراء وقوف سوريا مع ايران في حربها مع العراق بين العامين 1980 و  1988، إضافة إلى انّه كان راء دخول الدفعة الأولى من «الحرس الثوري» الإيراني إلى لبنان صيف العام 1982  في خطوة تستهدف تأسيس «حزب الله» الذي ما لبث ان تحوّل إلى لواء في «الحرس» عناصره لبنانيّة.

اكثر من ذلك، كان حافظ الأسد جزءا من المجهود الحربي الإيراني في الحرب بين «الجمهوريّة الإسلاميّة» والعراق. عندما وجد من غير المناسب له تزويد ايران، على نحو مباشر، بصواريخ لقصف المدن العراقيّة، استعان بمعمّر القذافي كي يؤدي المهمّة. قصفت ايران البصرة وبغداد بصواريخ مصدرها مستودعات الأسلحة الليبية!

لدى عرض الأحداث التي مرت بها المنطقة منذ العام 1979، تاريخ قيام النظام الإيراني، يتبيّن أنّ انقاذ النظام السوري أولويّة الأولويات لدى «الجمهوريّة الإسلاميّة». لا يقتصر الأمر في الوقت الحاضر على هجوم تركي يستهدف شمال سوريا فحسب، بل انّه يتجاوز ذلك بكثير. هناك ازمة عميقة، على كل المستويات خصوصا اقتصاديا، يعيش في ظلها النظام الذي لم يستطع في ايّ يوم الحصول على شرعيّة حقيقيّة مستمدة من اعتراف للشعب السوري به.

ليس في استطاعة ايران سوى ان تهبّ مرّة أخرى لإنقاذ النظام السوري الذي مدته منذ اندلاع الثورة الشعبية في آذار – مارس 2011 بكل نوع من المساعدات. شمل ذلك تجنيد «حزب الله» اللبناني كي يكون شريكا في الحرب على الشعب  السوري. وفي العام 2015، ذهب قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إلى موسكو من اجل الإستعانة بالجيش الروسي وسلاحه الجوّي تفاديا لسقوط النظام بعدما صار الثوار على أبواب دمشق وتمددوا في الساحل السوري وهدّدوا المنطقة العلويّة.

لن يكون كافيا التدخل لدى تركيا، في ايّامنا هذه، لتفادي سقوط النظام السوري. النظام سقط منذ فترة طويلة. كلّ ما في الأمر ان ايران ما زالت تدعمه ماديا وبشريا في وقت يبدو بشّار الأسد منفصلا عن الواقع اكثر من ايّ وقت. الدليل على ذلك قوله لدى استقباله وزير الخارجية الإيراني: «إن «العلاقة المتينة التي ترسخت خلال عقود مضت بين سوريا وإيران، صارت اليوم علاقة يمكن وصفها بأنها تحالف الإرادة في مواجهة مساعي الهيمنة الغربية على العالم». اضاف الأسد «إن الحرب الروسية على أوكرانيا تشكل بداية لتوازن دولي جديد يصب في مصلحة  سوريا وإيران». واتهم  تركيا بـ»الاعتداء على الأراضي السورية كلما حدث تقدم للجيش السوري ضد التنظيمات الإرهابية»، مشيراً إلى أن «الادعاءات التركية لتبرير عدوانها على الأراضي السورية، باطلة ومضللة ولا علاقة لها بالواقع، وتنتهك أحكام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي وروابط حسن الجوار».

يتكلم رئيس النظام  السوري لغة لا علاقة لها بما يجري على الأرض. ما يجري على الأرض ان روسيا دخلت في حرب استنزاف في أوكرانيا وان ايران وضعت يدها على سوريا في وقت لم يعد للنظام السوري ايّ هامش للتحرك بشكل مستقل كما كانت الحال في السابق. يؤكّد ذلك ان وزير الخارجيّة الإيراني فرض على النظام زيارة دمشق يوم انعقاد مؤتمر لوزراء الخارجية العرب في بيروت. جاء عبد اللهيان إلى العاصمة السورية كونه يريد توجيه رسالة إلى العرب. فحوى الرسالة ان ما كان يسمّى «الجمهوريّة العربيّة السوريّة» بات تحت الهيمنة الإيرانيّة، تماما كما حال لبنان حيث يجتمع وزراء الخارجية العرب او ممثلون عنهم في حين قرار السلم والحرب، الذي كان مفترضا ان يكون لبنانيا، في يد ايران.

تبدو الرسالة الإيرانيّة واضحة كلّ الوضوح. فحوى الرسالة انّ سوريا باتت تابعة لإيران وانّ  «الجمهورية الإسلاميّة» ما زالت مستعدة لبذل الغالي والرخيص من اجل المحافظة على نظام لم يتردد يوما في تلبية كلّ ما تطلبه ايران. سوريا وايران، كنظامين، توأمان لا يمكن الفصل بينهما… والنظام السوري الأقلّوي جزء لا يتجزّأ من تركيبة «الجمهوريّة الإسلاميّة» لا اكثر ولا اقلّ!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.