بقلم خيرالله خيرالله – اميركا ترذل ترامب

26

لم يعد مستبعدا عزل دونالد ترامب قبل انتهاء ولايته الرئاسية بعد ايّام قليلة، خصوصا بعد انقلاب نواب وشيوخ جمهوريين عليه.

عُزل، ام لم يُعزل، ما يمكن قوله منذ الآن، انّ لا «ترامبية» ولا من يحزنون بعد خروج دونالد ترامب من البيت الابيض في العشرين من الشهر الجاري. اذا كانت التصرفات الحمقاء للرئيس الأميركي المنتهية ولايته، بعد غزوة الكابيتول كشفت شيئا، فهي كشفت ان الرجل لا يمتلك عقلا سياسيا راجحا يسمح له بتشكيل حزب سياسي ذي وزن. لا وجود لارث سياسي لدونالد ترامب الذي استطاع تسجيل نقاط في مجالات معيّنة، خصوصا على صعيد السياسة الخارجية، لكنّه استطاع ارتكاب سلسلة من الأخطاء التي لا يمكن للشعب الأميركي القبول بها او نسيانها يوما. رذلت اميركا دونالد ترامب لسبب في غاية البساطة يعود الى انّه لا يليق بها وبمؤسّساتها.

لا يمكن للشعب الأميركي ولا للمؤسسات السياسية الأميركية القبول برئيس يرسل مناصريه الى الكابيتول (مقر الكونغرس) من اجل تغيير نتائج الانتخابات الرئاسية. أسوأ ما في الامر ان ترامب اعتقد ان ذلك ممكن. لم يستطع الاعتراف بانّ هناك قواعد للعبة السياسية الأميركية عمرها يزيد على قرنين. لهذا السبب وليس لغيره، لن يذهب ترامب الى أي مكان غير بيته او الى احد فنادقه ليمارس لعبة الغولف… او الى السجن. سيذهب الى السجن في حال إصرار عدد من النواب والشيوخ على ملاحقته قانونيا وعلى عزله قبل انتهاء ولايته، ولو كان ذلك قبل يوم واحد من العشرين من كانون الثاني – يناير الجاري.

هناك أسباب كثيرة يمكن ان تودي بدونالد ترامب السجن. من بين هذه الأسباب الشريط الذي يظهر فيه مع افراد عائلته وهو يتابع باهتمام ظاهر اقتحام مناصريه لمبنى الكابيتول معتقدا ان ذلك سيكون كفيلا بمنع مجلس الشيوخ من الموافقة على انتخاب جو بايدن رئيسا بعد حصوله على غالبية أصوات المجمع الانتخابي. كان بايدن في حاجة الى 270  صوتا، فإذا به يحصل على أصوات 302 من أعضاء المجمع الانتخابي…

تفوق بايدن على ترامب في التصويت الشعبي بنحو ثمانية ملايين صوت. الأكيد ان أصواتا كثيرة سترتفع وتقول انّ هناك نحو 74  مليون أميركي صوتوا للمرشح الجمهوري وانّ هؤلاء سيبقون قوّة متماسكة تدعم سياساته. كان ممكنا لمثل هذا الكلام الاستناد الى منطق ما لولا الأخطاء التي ارتكبها الرئيس الجمهوري المنتهية ولايته والذي اظهر انّه غير مؤهّل للعب أي دور سياسي مستقبلا. قبل كلّ شيء، لا يمكن ضمان ايّ تماسك بين الذين صوتوا لدول ترامب. يدلّ على ذلك الخلاف الذي وقع بينه وبين اكثر الأشخاص وفاء له، أي نائب الرئيس مايك بنس.

عندما جاءت لحظة الخيار بين الولاء لترامب والولاء للدستور الأميركي، اختار بنس الولاء للدستور. لم يعترض، بصفة كونه رئيسا لجلسة مجلس الشيوخ تلك، على ان يكون بايدن رئيسا استنادا الى تصويت المجمع الانتخابي. رفض طلب الرئيس منع مجلس الشيوخ من المصادقة نتيجة الانتخابات. كان يعرف ان ذلك ليس من حقّه…

كان بنس يعرف ايضا ان رئاسته لمجلس الشيوخ، الذي يضمّ 100 عضو، في مثل هذه المناسبة، ليست سوى مسألة ذات طابع احتفالي وان لا خيار آخر امامه سوى الموافقة على نتيجة الانتخابات الرئاسية. وقف في وجه الرئيس وانقطعت لغة الكلام بينهما بعد مشادة قصيرة. نسي دونالد ترامب انّه في الولايات المتحدة الاميركية وليس في «جماهيرية» معمّر القذافي او في سوريا حافظ وبشّار الأسد، حيث عدّل الدستور ليناسب عمر بشّار عندما خلف والده في العام 2000. كذلك، نسي انّه ليس في جمهورية الموز اللبنانية حيث اغلق «حزب الله» مجلس النوّاب سنتين ونصف سنة من اجل فرض انتخاب الماروني ميشال عون، مرشّح الحزب، رئيسا للجمهورية.

دافع الاميركيون عن بلدهم وعن نظامه الديموقراطي. يعرف أعضاء الكونغرس ان الدستور هو القاعدة وانّ هناك اعرافا وقوانين لا بدّ من احترامها. في النهاية، مهما حقّق الرئيس الأميركي، أي رئيس من إنجازات على الصعيد الخارجي، ليس مسموحا له بارتكاب حماقات او الاقدام على أي تجاوزات . يظلّ ريتشارد نيكسون، بطل فضيحة «ووترغيت» افضل مثل على ذلك. كان نيكسون رئيسا استثنائيا، كان وراء الانفتاح على الصين وإقامة علاقات معها في العام 1972. ذهب ضحيّة «ووترغيت». اضطر الى الاستقالة. لم يسمع له بعد ذلك صوت طوال سنوات.

لن يكون لدى دونالد ترامب من خيار آخر غير السير على خطى نيكسون، هذا في حال لم يذهب الديموقراطيون، على رأسهم نانسي بيلوزي رئيسة مجلس النواب، خلفه. في النهاية، لا يمكن تسمية الحماقة شيئا آخر غير الحماقة. تسبب انصار ترامب، الذين ما لبث ان تبرّأ منهم، بمقتل أربعة اشخاص. خرجوا عن كلّ التقاليد المتبعة في اميركا. أرادوا تنفيذ انقلاب من اجل إبقاء دونالد ترامب في البيت الأبيض. هل يمكن لشخص يظنّ ان الانقلاب ممكن، عن طريق مجموعة من الرعاع غزوا الكابيتول، ان يكون له مستقبل سياسي من ايّ نوع وان يعتقد ولو للحظة ان هناك شيئا اسمه «الترامبية»؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.