بقلم خيرالله خيرالله – بين الانتصار على لبنان والانتصار على إسرائيل

45

مات لبنان عندما صار سلاح «حزب الله» يقرّر من رئيس الجمهورية الماروني. مات في العام 2016 قبل الاحتفال بمئويّة لبنان الكبير في اول أيلول- سبتمبر 2020. ليس ما نشهده اليوم، سوى فصل أخير من الانقلاب الذي يقوم به الحزب منذ سنوات عدّة، بل تتويج له. ما نشهده ايضا، مع مرور اربع سنوات ونصف سنة على انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية، من انهيار لا قعر له في الوطن الصغير ليس سوى نتيجة طبيعية للواقع القائم. يتمثّل هذا الواقع في وجود سلاح غير شرعي حوّل الجمهوريّة اللبنانية الى دويلة في دولة «حزب الله» الذي ليس سوى لواء في «الحرس الثوري» الإيراني.

لا حاجة الى كثير من اللفّ والدوران للردّ على الخطاب الأخير لحسن نصرالله في الذكرى الثلاثين لانطلاق قناة «المنار». يمكن الردّ على الخطاب، الذي لا علاقة له من قريب او بعيد بما يدور في المنطقة، بجملة واحدة: الانتصار على لبنان ليس بديلا من الانتصار على إسرائيل.

هذا كلّ ما في الامر. من يحتاج الى التأكّد من ذلك، يستطيع ان يسأل نفسه سؤالا في غاية البساطة: اين كان لبنان قبل 30  سنة وأين صار الآن؟ الفارق بين 1991 و 2021 انّ لبنان كان يمتلك الامل في حين ان السنة 2021  اتسمت بوضع اليأس قبضته الثقيلة على لبنان. في ثلاثة عقود انتقل لبنان، بفضل «حزب الله»، من الامل الى اليأس. انتقل عمليا من مرحلة بدأ فيها لبنانيون بالعودة الى بلدهم بعدما هجّرهم ميشال عون منه في 1989 و 1990، نتيجة «حرب الالغاء» و «حرب التحرير»… الى مرحلة البحث عن مكان يستقبلهم!

لم يكشف الخطاب الاخير لنصرالله مدى استخفافه بعقول اللبنانيين، خصوصا عندما تحدّث عن انتصارات كبيرة تحققت في السنوات الثلاثين الماضية ووصفه رفيق الحريري بـ»الشهيد» وكأنّه لا يعرف من اغتال رفيق الحريري ورفاقه ولماذا كان الاغتيال وما هو السياق الذي وقعت فيه الجريمة.

في كلّ ما قاله حسن نصرالله استغباء لعقول اللبنانيين من جهة وإصرار على الإساءة الى العلاقات اللبنانية – السعودية من جهة أخرى وذلك من خلال الكلام عن اليمن. من حسن الحظّ ان هناك لبنانيين وعربا يعرفون ولو القليل عن اليمن. هؤلاء يعرفون اوّلا الظروف التي رافقت الهجمات التي شنّها التحالف العربي ابتداء من آذار – مارس 2015  لمواجهة التمدّد الحوثي في اليمن بعد سيطرة «انصار الله» في 21  أيلول – سبتمبر 2014 على صنعاء. لم يتوقف هؤلاء عن التمدّد في كل الاتجاهات. سيطروا في مرحلة معيّنة على عدن وعلى ميناء المخا الذي يتحكّم بمضيق باب المندب، وهو المدخل الى البحر الأحمر والى قناة السويس. أي صار في استطاعة الحوثيين، الذين ليسوا سوى أداة ايرانيّة، التحكّم

بحركة الملاحة في القرن الافريقي واغلاق قناة السويس…

ليس معروفا بعد ما الذي يستطيع «انصار الله» عمله من اجل فلسطين، باستثناء الشعارات، كي يشيد حسن نصرالله بزعيمهم عبد الملك الحوثي. في المقابل، معروف ما الذي فعله الحوثيون بصنعاء تحديدا. قضوا على احدى اجمل المدن العربيّة التي كان يحلو العيش فيها. قضوا على ثقافة الحياة في صنعاء التي فتحت ذراعيها لكلّ اليمنيين. قضوا على نمط حياة اتسم بالرقيّ والتهذيب والابتعاد عن العنف على الرغم من انتشار الكثيف للسلاح في اليمن.

يا ليت حسن نصرالله امضى بعض الوقت في صنعاء كي يعرف ما الذي فعله الحوثيون بها وكيف قضوا على مدينة جميلة من اجل ان تقول ايران انّها صارت تسيطر على العاصمة العربيّة الرابعة بعد بغداد ودمشق وبيروت… ومن اجل إقامة قواعد صواريخ  تهدّد منها الأراضي السعوديّة.

أمور كثيرة فاتت الأمين العام لـ»حزب الله» في خطابه، بما في ذلك عدم معرفته بان ليس في الإمكان إيصال النفط الإيراني الى لبنان وانّ على «الجمهوريّة الاسلاميّة» القيام بكلّ أنواع البهلوانيات كي توصل بعض النفط الى اللاذقيّة بحراسة روسيّة مدفوعة الثمن!

تخلّص لبنان من السلاح الفلسطيني ليحلّ مكانه السلاح الإيراني. لا مكان لسلاح خارج سلاح الدولة في ايّ مكان من العالم. لا مكان لدولة لبنانية تتحكّم بها ميليشيا مذهبيّة ذات ولاء لقوّة خارجيّة ذات مشروع توسّعي معاد لكلّ ما هو عربي في المنطقة. من هذا المنطلق، يمكن القول بكل سهولة ان لبنان زال من الوجود وان مؤسساته دمّرت، الواحدة تلو الأخرى بشكل منهجي، بفضل سلاح «حزب الله»…

كان خطاب حسن نصرالله خطاب استغباء اللبنانيين الذين يعرفون جيّدا ان لا وجود لشيء اسمه ميشال عون او جبران باسيل لولا الحزب وانّ كلّ ما جرى وما زال يجري في لبنان هو دوران في حلقة مقفلة لا خروج منها قريبا. إنّها حلقة السلاح الذي يحمي الفساد. تلك الحلقة هي التي تؤمّن الغطاء المسيحي لـ»حزب الله» الذي يشارك منذ عشر سنوات في الحرب على الشعب السوري دفاعا عن نظام اقلّوي لا مستقبل له.

لن تنطلي لعبة الاهتمام بمعاناة المواطن، من الوقود، الى الدواء، الى الكهرباء التي حرم جبران باسيل اللبنانيين منها…  الى لقمة العيش. فقد لبنان كلّ مقومات وجوده في ظلّ «العهد القوي» الذي ليس فيه من يستطيع حتّى تنظيم الانهيار، حسب تعبير نائب بيروت نهاد المشنوق.

يستطيع الأمين العام لـ»حزب الله» رفع كلّ الشعارات عن فلسطين وانتصارات «المقاومة» واهتمامه بالمواطن العادي. لكنّ اللبنانيين يعرفون تماما ان الانتصار على لبنان ليس بديلا من الانتصار على إسرائيل…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.