بقلم خيرالله خيرالله – تركة «بيبي» بثقلها وسلبياتها

28

بقي بنيامين نتانياهو (بيبي) لاعبا فاعلا ومؤثّرا في الحياة السياسية الإسرائيلية… ام لم يبق كذلك، ستبقى في الواجهة تركة «بيبي» بكل ثقلها وسلبياتها ذات الامتدادين الفلسطيني والإقليمي. ما يمكن ان يساعد في ابعاد نتانياهو عن الساحة السياسية احتمال خسارته لزعامة تكتل الليكود في حال ادانته في قضايا فساد. هذا لا يمنع الاعتراف بأنّه سيصعب التخلّص من تركته.

امضى «بيبي» اثني عشر عاما في موقع رئيس الوزراء الذي سبق ان بلغه للمرّة الأولى في العام 1996 بعد الهزيمة التي لحقت بشمعون بيريس امام اليمين الإسرائيلي. ربح الليكود الانتخابات التي أجريت اثر اغتيال اسحق رابين في تشرين الثاني – نوفمبر 1995. هزم ليكود حزب العمل وبيريس الذي دفع ثمن أخطاء كثيرة ارتكبها. من بين الأخطاء عدم الذهاب الى صناديق الاقتراع مباشرة بعد اغتيال رابين وانتظار ربيع السنة 1996  للقيام بذلك.

مع صعود اليمين في إسرائيل، تحوّل نتانياهو الى الشخصية الاسرائيلية التي شغلت موقع رئيس الوزراء اكثر من أي شخّصيّة اخرى في تاريخ الدولة منذ قيامها في العام 1948. استهدف كلّ ما قام به «بيبي» على الصعيد الفلسطيني الغاء خيار الدولتين انطلاقا من وجهة نظر في غاية التزمّت اعتمدها اليمين الإسرائيلي الذي اعترض أصلا على اتفاق أوسلو الذي وقّع في أيلول- سبتمبر 1993 في حديقة البيت الأبيض بين ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، واسحق رابين برعاية الرئيس بيل كلينتون.

ما هي تركة «بيبي» وعلى ماذا تقوم هذه التركة الثقيلة ولماذا يصعب التخلّص منها ومن سلبياتها؟

تختزل تركة «بيبي» بكلمة واحدة هي الاستيطان. تقوم التركة، اوّلا، على فكرة الغاء الشعب الفلسطيني بحقوقه المشروعة التي تفرض ان يكون له دولة مستقلة «قابلة للحياة» على ارض فلسطين التاريخية. تقوم التركة، ثانيا، على ضمّ جزء من الضفّة الغربيّة، بما في ذلك القدس الشرقيّة، الى إسرائيل. وهذا ما يفسّر حملات الاستيطان في الضفّة وقطع الطريق على إيجاد مساحة كافية من الأرض الخالية من ايّ مستوطنات تصلح لقيام دولة فلسطينية. بكلام أوضح، عمد «بيبي» على تقطيع اوصال الضفّة الغربيّة عن طريق الاستيطان والطرقات التي تربط بين المستوطنات.

لم يكن النهج الذي اعتمده «بيبي» خلال وجوده في موقع رئيس الوزراء  جديدا، بمقدار ما انّه سياسة قديمة اعتمدها اليمين الإسرائيلي من اجل التخلّص من الشعب الفلسطيني. هذه سياسة قصيرة النظر ما لبثت ان ارتدّت على اليمين وعلى بنيامين نتانياهو تحديدا. ارتدّت هذه السياسة على أصحابها بسبب وجود شعب فلسطيني لا يمكن الغاءه. في النهاية، كيف يمكن التخلّص من نحو سبعة ملايين ونصف مليون فلسطيني في الداخل الإسرائيلي وغزّة والضفّة الغربيّة؟ هذا ما لم يستطع بنيامين نتانياهو فهمه يوما.

في خريف العام 1991، انعقد مؤتمر مدريد للسلام برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي الذي ما لبث ان انهار مطلع العام 1992. حضر الرئيس جورج بوش الاب وكبار رجالات ادارته على رأسهم وزير الخارجية جيمس بايكر. حضر أيضا ميخائيل غورباتشوف الذي كان يمضي ايّامه الأخيرة في الكرملين. كان الامل كبيرا في ان يسفر مؤتمر مدريد، الذي شاركت فيه إسرائيل بوفد على رأسه اسحق شامير، عن الخروج بتسوية تضع اسسا لانهاء الصراع العربي – الإسرائيلي. ما كان يبعث على الامل بذلك وجود إدارة اميركيّة جدّية تعرف المنطقة جيّدا تضمّ، إضافة الى بوش الاب وجيمس بايكر، الجنرال برنت سكوكروفت مستشار الامن القومي…

جرّت الإدارة الأميركية شامير جرّا الى مؤتمر مدريد الذي انعقد على أساس مبدأ «الأرض في مقابل السلام» وقرارات الشرعيّة الدولية. كان نتانياهو ناطقا باسم الوفد الإسرائيلي في مدريد. لكنّه كان قبل ذلك التلميذ النجيب لشامير، الذي ليس سوى شخص متحجّر اسير الدور الذي لعبه كزعيم لاحد التنظيمات الارهابيّة في مرحلة ما قبل اعلان قيام دولة إسرائيل في 1948. سئل شامير وقتذاك عن المفاوضات الدائرة في مدريد، فكان جوابه اننا مستعدون للتفاوض عشر سنين آخرى، لكنّنا سنعمل، في موازاة التفاوض، على إيجاد امر واقع على الأرض. أي سنستمرّ في بناء المستوطنات…

سار «بيبي» على خطى شامير. فاوض من اجل التفاوض. عمل كل ما يستطيع من اجل خلق امر واقع على ارض فلسطين متجاهلا الشعب الفلسطيني. هذا التجاهل هو الفجوة الرئيسية في تفكير سياسي اسرائيل يتقن المناورة والتكتيك، لكنّه لا يعرف شيئا عن الفكر الاستراتيجي. استطاع الاستفادة من كلّ الأخطاء الفلسطينية ومن التهديد الذي تشكّله ايران على كل دولة عربيّة، لكنّه لم يستطع في ايّ وقت ادراك ان ثمّة معادلة لا يستطيع تجاوزها. تتمثّل هذه المعادلة في وجود شعب فلسطيني على الخريطة السياسيّة للمنطقة. لا يمكن لشعب موجود على الخريطة السياسية ان يغيب عن الخريطة الجغرافيّة على الرغم من غياب القيادة الفلسطينية التي تمثّل فعلا الشعب الفلسطيني.

كانت حرب غزّة الأخيرة التي بدأت بانتفاضة القدس وحيّ الشيخ جرّاح فيها بداية وليس نهاية. إنّها بداية التخلّص من التركة الثقيلة لـ»بيبي» وبداية لتحولات كبيرة في ظلّ ظروف صعبة عنوانها العجز الإسرائيلي عن خلق امر واقع جديد يتجاهل شعب موجود على ارضه ولا يريد الخروج منها… على الرغم من هذا العدد الكبير من المستوطنات في الضفّة الغربيّة.

مثل هذه المعادلة البسيطة غابت عن بنيامين نتانياهو الذي لم يفهم يوما تعقيدات الصراع في المنطقة والحاجة الى التعاطي مع الامر الواقع القائم بدل الذهاب الى خلق امر واقع جديد!

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.